ليس المهم اليوم ما إذا كانت موجة الهجرة الجماعية الأخيرة من المغرب إلى مدينة سبتة الإسبانية قد جاءت نتيجة شائعة أطلقها سماسرة الهجرة، أو كانت مرتبطة بالتوترات السياسية بين الرباط ومدريد حول قضية الصحراء الغربية. فمهما كان السبب المباشر، تبقى الحقيقة الأكثر دلالة أن عشرات الآلاف خاطروا بحياتهم، ووصل الأمر إلى وفاة العشرات، من أجل عبور بضعة كيلومترات بحثًا عن فرصة عمل أو حياة أكثر كرامة.
هذه الحقيقة تفرض سؤالًا أكبر: لماذا يهرب الناس من بلد يحقق، وفق المؤشرات الدولية، نجاحًا اقتصاديًا لافتًا؟ فالمغرب يُعد اليوم من الاقتصادات الأسرع نموًا فى شمال أفريقيا. ويؤكد البنك الدولى أن الاقتصاد المغربى يحقق أسرع معدل نمو له منذ أكثر من عشر سنوات، مدفوعًا بطفرة فى الاستثمارات فى البنية التحتية وتعافى القطاع الزراعى. كما بلغ النمو نحو ٤.٩ ٪ فى عام ٢٠٢٥، مع توقعات باستمراره عند ٤.٤ ٪ فى عام ٢٠٢٦، فى ظل توسع الصناعات التصديرية، وانتعاش السياحة، والاستعدادات لاستضافة كأس العالم ٢٠٣٠.
لكن هذه ليست سوى نصف الحقيقة. فالبنك الدولى يشير أيضًا إلى أن الفقر النقدى المطلق ارتفع بين عامى ٢٠١٩ و٢٠٢٢ ليطال نحو ١.٤٢مليون شخص، يقيم نحو ثلثيهم فى المناطق الريفية. كما يؤكد صندوق النقد الدولى أن خلق فرص عمل مستدامة لا يزال التحدى الأكبر؛ وأن البطالة، خاصة بين الشباب، ما زالت مرتفعة. أى أن الاقتصاد ينمو، لكن عوائد هذا النمو لا تصل بالقدر نفسه إلى قطاعات واسعة من المجتمع.
هذه ليست مشكلة مغربية خالصة، بل هى واحدة من الإشكاليات الكلاسيكية للسياسات النيوليبرالية فى أنحاء كثيرة من العالم. فهى غالبًا ما تنجح فى رفع معدلات النمو، وزيادة الاستثمارات، وتحسين مؤشرات الاقتصاد الكلي؛ لكنها لا تضمن توزيعًا عادلًا لعوائد هذا النمو. فمعدلات النمو تقيس حجم الاقتصاد، لكنها لا تخبرنا من يستفيد من هذا النمو. فقد ترتفع الأرباح والاستثمارات، بينما تبقى الدخول الحقيقية راكدة لغير المستفيدين، وتظل فرص العمل اللائقة أقل كثيرًا من طموحات الشباب.
ولهذا، فإن الهجرة الجماعية ليست تصويتًا ضد الوطن، بقدر ما هى تصويت ضد غياب الفرصة. فالدول لا تُقاس فقط بما تحققه من نسب نمو، وإنما أيضًا بقدرتها على تحويل هذا النمو إلى عدل وأمل. وعندما يعجز الاقتصاد عن إنتاج هذا الأمل؛ يصبح البحر، على قسوته، أقل رهبة من البقاء فى مكان لا يرى فيه الإنسان مستقبلًا.

