حذر خبراء ومراقبون من انعكاسات فورية لقرار البنك المركزي الأخير بتقليص حصة دولار المسافرين، مؤكدين أنه قد يربك استقرار سعر الصرف وينعش السوق الموازية نتيجة تراجع المعروض النقدي. وفيما عزوا الإجراء إلى محاولة احترازية للحد من النزيف المستمر في الاحتياطيات الأجنبية وتأمين تمويل الاستيرادات، استبعدوا أي ضغوط أو إملاءات أمريكية خارجية تقف خلف إصدار القرار الأخير.
دور الضغوط الخارجية
ويقول الخبير الاقتصادي عبد الرحمن المشهداني، في حديث لـ”العالم الجديد” اليوم الثلاثاء (7 تموز يوليو 2026)، إن “قرار البنك المركزي العراقي بتخفيض مخصصات الدولار للمسافرين من 3000 إلى 2000 دولار لا يرتبط بضغوط أو متطلبات أمريكية تهدف إلى تقليل تداول الدولار النقدي، لأن حجم المبالغ المخصصة للمسافرين لا يشكل نسبة مؤثرة من إجمالي التداول النقدي أو مبيعات الدولار التي ينفذها البنك المركزي، والأرقام المتعلقة بدولار المسافرين تؤكد ذلك”.
ويستشهد المشهداني، بموسم الحج، إذ بلغ عدد الحجاج العراقيين أكثر من 45 ألف حاج، حصل كل منهم على مخصصات بلغت 3000 دولار، ومع ذلك لم يتجاوز إجمالي المبالغ المصروفة ما بين 70 و75 مليون دولار، وهو رقم وصفه بأنه بسيط قياساً بحجم مبيعات البنك المركزي من الدولار، كما أن أعداد المسافرين اليومية لا تصل إلى 10 آلاف شخص، بل إنها أقل من ذلك بكثير، الأمر الذي يجعل من الصعب ربط القرار بضغوط خارجية أو بحجم النقد المخصص للمسافرين.
وكشفت مصادر إعلامية، في وقت سابق من اليوم الثلاثاء، واطلعت عليها “العالم الجديد” أن البنك المركزي العراقي أصدر توجيهات جديدة تقضي بتخفيض حصة المسافرين من العملة الأجنبية من 3000 دولار إلى 2000 دولار، ضمن الآلية المعتمدة لتلبية طلبات السفر.
وأوضحت المصادر، أن القرار يشمل جميع المواطنين العراقيين المغادرين عبر المطارات والمنافذ الحدودية، سواء كانوا متوجهين لأغراض السياحة أو العلاج أو الدراسة أو أداء مناسك الحج والعمرة أو سفرات العمل، من دون استثناء.
ومن الجدير بالذكر لم يصدر، حتى الآن، أي بيان رسمي من قبل البنك المركزي بشأن القرار الجديد.
انخفاض الاحتياطات الدولارية
ويرى المشهداني، أن “الرأي الأقرب إلى الواقع يتمثل في أن البنك المركزي يتخذ إجراءات احترازية للمحافظة على احتياطياته الدولارية، لأن الاحتياطيات الأجنبية انخفضت خلال الأشهر الأخيرة، بعد دخول البنك المركزي الشهر الرابع في تمويل استيرادات القطاع الخاص بصورة منتظمة، في وقت لا يحصل فيه على تدفقات دولارية كافية من الحكومة”.
ويشير إلى أن “البنك المركزي يبيع شهرياً أكثر من 4.5 مليار دولار لتمويل التجارة الخارجية، في حين لا تتجاوز الإيرادات الدولارية التي تصل إليه نحو مليار دولار، وهو ما أدى إلى تراجع الاحتياطيات الأجنبية من نحو 97 مليار دولار في بداية الأزمة إلى ما يقارب 83 مليار دولار أو أقل حالياً، الأمر الذي دفعه إلى تقليص المبيعات النقدية حفاظاً على قدرته في تمويل الاستيرادات خلال المرحلة المقبلة”.
ويؤكد، أن “الأزمة الإقليمية ما تزال تلقي بظلالها على السياسة النقدية، لأن أزمة مضيق هرمز لم تنته، بل تبقى قابلة للتجدد في أي لحظة، ولذلك فإن البنك المركزي يتعامل مع هذه التطورات بسياسة تقشفية تهدف إلى المحافظة على الاحتياطيات الأجنبية وضمان استمرار تمويل التجارة الخارجية إذا ما طال أمد الأزمة”.
التأثر على السوق الموازية
وينبه الخبير الاقتصادي، إلى أن “قرار تخفيض مخصصات المسافرين سيؤثر في سوق الصرف، على اعتبار أن جزءاً من الدولار الذي كان يحصل عليه المسافرون لا يستهلك بالكامل أثناء السفر، إذ إن أغلب المسافرين لا يحتاجون إلى أكثر من 1500 أو 2000 دولار، فيما كان المبلغ المتبقي يعود إلى السوق الموازية بعد انتهاء السفر، وهو ما كان يسهم في زيادة المعروض من الدولار وتحقيق قدر من التوازن في سعر الصرف”.
ويضيف، أن “المحافظ السابق للبنك المركزي كان يدرك هذه الآلية، لأن بيع جزء من مخصصات المسافرين في السوق الموازية كان يؤدي إلى تخفيف الضغط على سعر الصرف، لأن البنك المركزي لا يضخ الدولار مباشرة في السوق الموازية، وإنما يعتمد على مبيعات الدولار للمسافرين، وللعلاج، وللطلبة، إضافة إلى ما يملكه المواطنون من مدخرات بالدولار”.
ويواصل، أن “تقليص مخصصات المسافرين سيؤدي إلى انخفاض الكميات التي تعود إلى السوق الموازية، وهو ما قد ينعكس بارتفاع سعر صرف الدولار خلال الفترة المقبلة إذا بقيت مستويات الطلب على حالها”.
تقلبات سعر الدولار
ويؤكد المشهداني، أن “الحديث عن شح الدولار يجب أن يفهم ضمن سياق توقع استمرار الأزمة”، موضحاً أن “الاستقرار النسبي الذي شهده سعر الصرف خلال الأشهر الماضية لا يعني انتهاء الضغوط، وإنما يعكس مرحلة مؤقتة من التوازن”.
ويبين، أن “المقصود بالاستقرار النسبي هو بقاء سعر الصرف ضمن نطاق متقارب لفترة طويلة، كما حصل عندما استقر عند مستويات تراوحت بين 154 و156 ألف دينار لكل 100 دولار، لأن هذا الاستقرار يمنح الأسواق والتجار القدرة على التسعير واتخاذ القرارات التجارية بصورة أكثر دقة”.
ويعتبر، أن “تقلبات سعر الصرف تربك الأسواق، لأن التاجر الذي يستورد بضاعته بالدولار لا يستطيع تحديد السعر الذي يعتمد عليه في البيع عندما يتغير سعر الصرف بصورة مستمرة”، متسائلا: “هل يعتمد السعر الذي اشترى به البضاعة، أم السعر الحالي، أم يحتسب سعراً أعلى تحسباً لأي ارتفاع مستقبلي؟ وعليه أن هذه الحالة تدفع كثيراً من التجار إلى رفع الأسعار احتياطياً لتغطية مخاطر تقلبات السوق”.
البطاقات ونظام الأسيكودا
ويعود المشهداني معلقاً على قرار البنك المركزي الأخير، بأن “البنك المركزي يسعى أيضاً من خلال القرار إلى تشجيع استخدام بطاقات الدفع الإلكتروني في الخارج بدلاً من الاعتماد على النقد، لأن المسافر يستطيع استخدام البطاقة في عمليات الشراء خارج العراق، فضلاً عن إمكانية السحب اليومي ضمن الحدود المقررة، الأمر الذي يوفر بديلاً عن حمل مبالغ نقدية كبيرة”.
ويعتقد، أن “تطبيق نظام الأسيكودا ونظام البيان المسبق والتصريح الجمركي ما يزال في مرحلة لم تحقق استقراراً كاملاً، فضلاً عن أن ارتفاع بعض الرسوم الجمركية دفع عدداً من التجار إلى شراء الدولار من السوق الموازية لتمويل تجارتهم، ولا سيما مع دول الجوار مثل إيران وتركيا وسوريا”.
ويكمل، أن “بعض التجار غير مسجلين رسمياً، فيما يفضل آخرون عدم إظهار حجم نشاطهم التجاري أمام الدوائر الضريبية، لأن استخدام القنوات الرسمية في التحويل يكشف حجم البضائع المستوردة والأرباح المتحققة، وهو ما يترتب عليه التزامات ضريبية، الأمر الذي يدفعهم إلى الاعتماد على السوق الموازية، فضلاً عن وجود منافذ أخرى تستغل في تهريب العملة”.
التداعيات الفورية
وفيما يتعلق بتوقيت تنفيذ قرار تخفيض مخصصات الدولار للمسافرين، يحذر المشهداني من أن “قرارات البنك المركزي تختلف عن قرارات السياسة المالية، لأن أدوات السياسة النقدية يكون أثرها فورياً في الأسواق، سواء تعلق الأمر بسعر الصرف أو أسعار الفائدة أو سعر إعادة الخصم، لذلك مجرد الإعلان عن أي تغيير في أدوات السياسة النقدية ينعكس مباشرة على الأسواق قبل تطبيقه، ولهذا السبب فإن البنك المركزي يتعامل مع هذه القرارات بصورة عاجلة، خلافاً لقرارات السياسة المالية التي قد تحتاج إلى أشهر أو حتى سنة كاملة حتى تظهر اثارها”.
ويرى، أنه “كان من الأفضل الإعلان عن القرار ومنح المواطنين مهلة أطول (وليس البدء بالتنفيذ مباشرة او في منتصف الشهر الجاري كما قيل) قبل دخوله حيز التنفيذ”، مؤكداً أن “ما كان ينبغي على البنك المركزي هو توضيح أسباب اتخاذ القرار في هذا التوقيت تحديداً، ولماذا اختار هذه الفترة لتطبيقه”.
أموال “فاسدة” بتغليف المركزي والاحتياطي
وفي سياق آخر، يعرب المشهداني عن صدمته من حجم الأموال التي ضبطت خلال حملة الاعتقالات الأخيرة الخاصة بملفات الفساد، فالكميات الكبيرة من الدينار والدولار التي ظهرت في عمليات الضبط لا يمكن أن تكون قد جاءت من السوق الاعتيادية”.
ويشير إلى أن “الأموال كانت محفوظة داخل كراتين تحمل تغليف البنك المركزي والاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، فضلاً عن احتفاظها بأرقامها المتسلسلة”، متسائلاً عن الكيفية التي خرجت بها هذه الأموال من المصارف ووصلت إلى تلك الجهات بهذه الكميات الكبيرة؟ لذا يستحق الأمر تحقيقاً معمقاً لكشف مسارات خروج الأموال والمسؤولين عن ذلك”.
وبين تقليص الحصة النقدية للمسافرين والإبقاء على الإنفاق الإلكتروني بالسعر الرسمي، يبدو أن البنك المركزي يتجه إلى إعادة رسم آلية حصول المسافرين على الدولار، في محاولة لتحقيق توازن بين إدارة الاحتياطيات الأجنبية والحفاظ على استقرار السوق، وهي خطوة ستبقى آثارها مرهونة بكيفية تفاعل الأسواق والمواطنين معها خلال المرحلة المقبلة.

