ترامب أمام لحظة الحسم

2

 

 

لم تعد المواجهة بين واشنطن وطهران تقف عند حدود التهديدات المتبادلة أو المناورات السياسية. فالمهلة انتهت، والمفاوضات لم تنتج التسوية التي يريدها الرئيس ترامب، فيما اختارت طهران، بدلاً من تقديم مخرج مقنع، رفع سقف التصعيد والتهديد بالانتقال إلى الهجوم.

ترامب استنفد مساحة واسعة من أدوات الضغط: التهديد، العقوبات، الحصار، الضغط العسكري، والمهل السياسية. وفي المقابل، تبدو طهران وكأنها تراهن على الوقت وعلى قدرة دول المنطقة على التدخل لدى واشنطن لإقناع ترامب بعدم توجيه الضربة المرتقبة.

وهنا تحديداً تكمن خطورة اللحظة.

إيران لا تضغط على ترامب وحده، بل تحاول أن تجعل دول المنطقة جزءاً من معادلة الضغط عليه. تهدد بالتصعيد، وتلوّح بتوسيع المواجهة، وفي الوقت نفسه تريد من جيرانها أن يضغطوا على واشنطن كي تتراجع.

لكن هل يمكن أن تنجح هذه المعادلة؟

ربما العكس هو الأقرب.

فالولايات المتحدة دخلت مرحلة مختلفة. الحرب لم تنتج حتى الآن الصورة التي يستطيع ترامب تقديمها للرأي العام الأمريكي باعتبارها نصراً نهائياً، وفي الداخل الأمريكي بدأت كلفة الحرب، وارتفاع أسعار الوقود، والمخاطر التي تتعرض لها القوات والمصالح الأمريكية في الشرق الأوسط، تتحول إلى مادة سياسية يستثمرها الديمقراطيين ضده، خصوصاً مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي.

وهذا يضع ترامب أمام معادلة شديدة الصعوبة.

فهو يستطيع نظرياً أن يتراجع، لكنه يعرف أن التراجع في هذه اللحظة، وبعد كل ما أطلقه من تهديدات ووعود بالحسم، قد لا يُقرأ في الداخل الأمريكي باعتباره خطوة للسلام، بل باعتباره تراجعاً أمام إيران.

والأخطر أن ذلك لن يكون مجرد خسارة في السياسة الخارجية، بل قد يتحول إلى عبء انتخابي داخلي.

ترامب يحتاج إلى أن يقول للأمريكيين إنه دخل هذه الحرب لتحقيق هدف واضح، وأنه قادر على إنهائها بشروطه، لا أن يبقى عالقاً في حرب مفتوحة تستنزف المال والجنود وترفع أسعار الوقود وتمنح خصومه السياسيين فرصة القول إنه أشعل حرباً ولم يحقق شيئاً.

لهذا أعتقد أن طهران أخطأت في قراءة المشهد.

كلما رفعت إيران سقف التهديد، ضيّقت على ترامب مساحة التراجع، ودفعت به أكثر نحو خيار الحسم.

المشكلة أن القيادة الإيرانية قد تتعامل مع التصعيد باعتباره وسيلة لتحسين شروط التفاوض، بينما قد يقرأه ترامب باعتباره دليلاً إضافياً على أن سياسة الضغط التقليدية لم تعد كافية.

وهنا تصبح الحرب أمام مفترق خطير: إما ضربة أمريكية كبرى تستهدف إنهاء قدرة إيران على مواصلة الحرب، أو انتقال المواجهة إلى مستوى نوعي جديد إذا اقتنعت واشنطن بأن الوسائل التقليدية لم تعد تحقق الهدف.

وفي هذا السياق، قد تظهر خيارات كانت حتى وقت قريب تبدو بعيدة، بما فيها الحديث عن استخدام سلاح نووي تكتيكي، وإن كان ذلك يبقى خياراً شديد الخطورة والاستثنائية وليس نتيجة محسومة أو خياراً معلناً من الإدارة الأمريكية.

فالمسألة في النهاية ليست في قدرة إيران على إطلاق التهديدات، وإنما في قدرتها على تحمل نتائجها.

وهنا تكمن المفارقة الكبرى.

إيران تهدد بالهجوم حتى تمنع ترامب من الضربة، لكنها قد تكون، من حيث لا تريد، تدفعه نحو الضربة التي تخشاها.

لقد راهنت طهران على أن الخوف من الحرب سيدفع واشنطن إلى التراجع.

لكن حسابات ترامب، في هذه اللحظة تحديداً، قد تكون مختلفة تماماً.

طهران تضغط على ترامب كي يتراجع؛ لكن كل المؤشرات السياسية والعسكرية قد تدفعه إلى الحسم ، وليس إلى التراجع.

التعليقات معطلة.