في العراق، لم تعد المشكلة الحقيقية هي غياب الشعارات الوطنية، بل تضخم عدد البنادق التي تتحدث باسم الوطن، كل وفق روايته ومصالحه وولاءاته. وهنا تبدأ المأساة: حين يصبح السلاح أقوى من الدولة، تتحول الجمهورية تدريجياً إلى “جمهورية بنادق” ، لا جمهورية مؤسسات.
منذ ٢٠٠٣ والعراق يعيش معادلة مختلة، دولة رسمية تمتلك علماً ونشيداً ودستوراً، وفي المقابل قوى مسلحة تمتلك نفوذاً وقراراً وقدرة على فرض الوقائع بالقوة. وبين الاثنين ضاع مفهوم السيادة حتى بات العراقي يسمع عن “هيبة الدولة” أكثر مما يراها.
المشكلة لم تعد في وجود السلاح فقط، بل في تحوله إلى أداة سياسية واقتصادية وإعلامية. فالفصيل الذي يمتلك بندقية يمتلك معها قدرة على التأثير في الانتخابات، وفي الاقتصاد، وفي القرار الأمني، بل وحتى في شكل العلاقات الخارجية للعراق. وهكذا بدأت الدولة تتراجع خطوة بعد أخرى أمام نفوذ القوة المسلحة.
الخطير في “جمهورية البنادق” أنها تُنتج وطناً خائفاً. المستثمر يخاف، المواطن يخاف، السياسي يخاف، وحتى القاضي يخاف. الجميع يدرك أن هناك دائماً قوة أعلى من القانون تستطيع تعطيل القرار أو فرضه متى أرادت. وعندما يصل الخوف إلى مؤسسات الدولة نفسها، تصبح الجمهورية مجرد هيكل إداري هشّ لا أكثر.
الأمريكيون يدركون هذه الحقيقة جيداً، ولهذا أصبحت رسائلهم الأخيرة لبغداد أكثر وضوحاً وحدّة. واشنطن لا تنظر إلى العراق كدولة مستقرة طالما بقي قرار الحرب والسلم موزعاً بين أطراف متعددة. والعالم أيضاً لا يستثمر بثقة في بلد يمكن أن تُغيّر فيه مجموعة مسلحة المشهد خلال ساعات.
لكن المأساة الأكبر أن البعض اعتاد هذا الواقع حتى صار يبرره تحت عناوين “المقاومة” أو “الخصوصية العراقية” أو “حماية المكون”. بينما الحقيقة البسيطة تقول إن أي دولة لا تحتكر السلاح ستبقى دولة ناقصة السيادة، مهما رفعت من شعارات.
العراق اليوم لا يقف أمام أزمة حكومة أو خلاف سياسي عابر، بل أمام سؤال وجودي:
هل يريد أن يكون دولة طبيعية تُحكم بالقانون؟ أم ساحة مفتوحة تتعايش فيها الحكومات مع البنادق خوفاً من الانفجار؟
التاريخ لا يرحم الدول المترددة.
إمّا دولةٌ تحتكر السلاح وتحكم بالقانون….. أو ميليشياتٌ تحتكر القانون وتحكم بالبندقية. وما بينهما ليس وطناً…. بل وطن فوق فوهة بندقية.

