فرضت الجائحة التي ضربت العالم قبل أكثر من ست سنوات عادات اجتماعية لم يعرفها الجيل الحالي، فلزِم الناس في ذروتها منازلهم فترات طويلة، وتغيرت أساليب التواصل فيما بينهم، وأسهمت وسائل التواصل الاجتماعي في الحفاظ على حبل الوصل بين الناس، وساعدت التقنية بشكل جلي في حل مشكلات خلقها الوضع آنذاك. ولكن الجائحة خلقت تغييرات اجتماعية كثيرة، فعلى الرغم من توفُّر كثير من التقنيات قبل الجائحة، فإن استخدامها لم يكن دارجاً اجتماعياً كما أصبحت الحال بعدها، فأصبح العمل عن بعد أمراً مقبولاً، وأصبح التسوق عن بعد خياراً مفضَّلاً، ومكَّنت الجائحة كثيراً من الناس من تجاوز مخاوفهم حول المدفوعات الرقمية، فأصبح الإنسان يستطيع العمل من منزله، وطلب طعامه من تطبيق، وإجراء اجتماعات مع زملائه كذلك.
ويبدو كل ذلك رائعاً، فوسائل التواصل في ظاهرها سهَّلت التواصل بين العالم، ولكن لو كان الأمر كذلك، فلماذا تُبيِّن الإحصاءات أن العالم يعاني اليوم من العزلة والوحدة أكثر من أي وقت مضى؟ وكيف انعكس ذلك على الاقتصاد؟
قدَّرت منظمة الصحة العالمية أن شخصاً بين كل 6 أشخاص يعاني من الوحدة، وأن العزلة والوحدة ترتبطان بما يقدر بنحو 870 ألف وفاة سنوياً، وفي العام نفسه أصدرت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية تقريراً عن الروابط الاجتماعية في دولها، ووجدت أن 6 في المائة من السكان يشعرون بالوحدة معظم أو طوال الوقت خلال الشهر السابق للاستطلاع، وأن 8 في المائة لا يملكون أصدقاء مقربين، وأن 10 في المائة لا يشعرون بوجود دعم اجتماعي كافٍ، ويُظهر ذلك مفارقة في العصر الحديث، فكثرة الاتصال لا تعني قوة العلاقة، فالتطور الرقمي قرَّب المسافات ولكنه جعل كثيراً من العلاقات أسرع وأخف وأكثر قابلية للاستبدال، وما اعتاد عليه البشر عشرات القرون من التواصل الاجتماعي في الأسواق والميادين وأماكن العمل، خَفَت بشكل تدريجي دون وجود بديل يُشبع حاجة البشر إلى التواصل الإنساني.
وقبل الحديث عن الجانب الاقتصادي للعزلة والوحدة، فإن هذه الظاهرة شملت شرائح كثيرة من المجتمع، وما اعتادت الدراسات على ملاحظته من أن كبار السن هم من يعانون من الوحدة، تغيَّر الآن، فقد عمَّت ظاهرة الوحدة الشباب، وقد أظهر تقرير «غالوب» عن بيئة العمل أن واحداً من كل 5 موظفين في العمل شعر بالوحدة في اليوم السابق للاستطلاع، وأن النسبة ترتفع بين العاملين عن بعد بالكامل إلى نحو 25 في المائة مقابل 16 في المائة للعاملين حضورياً، هذه الأرقام توضح أن الوحدة غزت قلب الاقتصاد المنتج، مكان العمل والإنتاجية والاندماج الوظيفي.
وقد أثَّرت الوحدة في الاقتصاد من جانبين: أولهما التكلفة الاقتصادية. وتقدِّر التقارير أن الوحدة تكلف أصحاب العمل في الولايات المتحدة وحدها نحو 154 مليار دولار سنوياً، بسبب الغياب المرتبط بالضغط وحده. وتتحول هذه الوحدة من شعور حزين إلى تكلفة قابلة للقياس، مثل ارتفاع مخاطر الاكتئاب والقلق وأمراض القلب والخرف والوفاة المبكرة، وهو ما يعني تكلفة صحية أعلى.
وعلى مستوى الاقتصاد الكلي تبدو الوحدة وكأنها ضريبة خفية تتوزع على بنود عدة، مثل الصحة والرعاية والعمل والتأمين والدعم الاجتماعي. وقد زادت الدراسات الأكاديمية المتخصصة في هذا الشأن في السنوات الخمس الأخيرة، وأجمع كثير منها على ارتباط الأعباء المالية بالوحدة والعزلة. وتراوحت هذه التكلفة بين ملياري دولار و25 مليار دولار حسب الدول، والاختلاف كان في حجم التكلفة لا في وجودها.
أما الجانب الآخر فيُظهر قسوة العالم اليوم، فالوحدة خلقت سوقاً مختلفة، فبدلاً من الروابط الاجتماعية الطبيعية، ظهرت منتجات بديلة، فهناك تطبيقات مواعدة لا تبيع علاقات جاهزة؛ بل تبيع فرصة أو احتمالية علاقة، ومنصات تواصل تبيع الإحساس بالحضور والظهور، وخدمات بث وترفيه منزلي تملأ ساعات طويلة من الفراغ الفردي، وتطبيقات للصحة النفسية تبيع دعماً نفسياً عند الطلب. وبعيداً عن العالم الرقمي، زاد الإقبال على اقتناء الحيوانات الأليفة وما يتبعها من خدمات بيطرية وغذائية، وزادت خدمات الرعاية المنزلية التي غدت ضرورة بعد تفكك أشكال الرعاية العائلية التقليدية.
والسوق تتبع الحاجة والطلب دون مشاعر أو عواطف، ولو تأمل شخص في المنتجات المادية والرقمية التي نشأت لتستبدل بالتواصل التقليدي مثيله الرقمي لوجد العجب العجاب، والأرقام شواهد على ذلك، فحجم سوق تطبيقات المواعدة الرقمية بلغ نحو 10 مليارات دولار في 2025، ويتوقع وصوله إلى الضعف في 2034، أما ما تسمى بـ«الرفقة الرقمية»، وهي تطبيقات الرفيق الافتراضي بالذكاء الاصطناعي، وهي للغرابة شيء حقيقي، فإن تقديرات حجم سوقها تصل إلى 8 مليارات دولار في 2025، ومتوقع أن تصل إلى 54 ملياراً في 2035، وهو أكثر التقديرات تحفظاً، وقد زادت بعض التقديرات على 6 أضعاف هذا الأرقام.
ويبدو أن الجانبين الاقتصاديين للوحدة متضادان، فبينما تتضح التكلفة الاقتصادية لهذه الظاهرة الاجتماعية، يتضح أنهما خلقا سوقاً جديدة، بل وزادا من الناتج القومي لبعض الدول، ولو كان في ذلك عبرة فهي أن الأرقام في الاقتصاد لا تؤخذ بشكلها المجرد، ولو تُركت هذه المشكلة دون تدخل لحدث ما يحدث في كوريا الجنوبية اليوم؛ حيث أصبحت الحكومة –دون جدوى- تدفع حوافز للشباب من أجل تشجيعهم على الزواج والإنجاب. وقد بدأت مجتمعات كثيرة متقدمة اقتصادياً في المعاناة اجتماعياً من هذه الظاهرة؛ حيث أصبح الاختباء خلف الشاشات والحديث مع الناس من خلالها أسهل كثيراً من الحديث والتواصل التقليدي.

