حين تغيب الدولة… يحكم الفساد

5

 

 

ربما كانت أكبر الأخطاء التي وقع فيها العراقيون، ومعهم كثير من الساسة والإعلاميين، أنهم تعاملوا مع الفساد بوصفه سبب انهيار الدولة، بينما الحقيقة تكاد تكون معكوسة تماما. فالفساد لا يصنع الدولة الفاشلة، بل الدولة الفاشلة هي التي تصنع الفساد.

هذه ليست لعبة لغوية، بل مفتاح لفهم ما جرى في العراق طوال العقدين الماضيين.

فالفساد لا ينشأ في دولة قوية تحتكم إلى القانون، ولا يستطيع أن يتحول إلى منظومة تحكم مجتمعا ما دامت المؤسسات تعمل باستقلال، وما دام القانون أعلى من الجميع. إنه يتسلل حين تضعف الدولة، ويتمدد حين تتعدد مراكز القرار، ويترسخ حين يصبح النفوذ أقوى من القانون، والولاء أهم من الكفاءة، والغنيمة مقدمة على الوطن.

ولهذا، فإن السؤال الحقيقي الذي يجب أن يطرحه العراقيون ليس: لماذا انتشر الفساد؟ بل: لماذا غابت الدولة حتى أصبح الفساد قادرا على أن يتحول إلى نظام يحمي نفسه بنفسه؟

بعد عام ٢٠٠٣، لم يكن التحدي الأكبر بناء حكومة، بل بناء دولة. غير أن منطق المحاصصة جعل المؤسسات تُدار بوصفها حصصا سياسية، لا مؤسسات وطنية. وتحولت الوظيفة العامة من مسؤولية إلى غنيمة، وأصبح كثير من المسؤولين يشعرون بأن ولاءهم لمن جاء بهم أهم من ولائهم للدولة التي أقسموا على خدمتها.

في تلك اللحظة، لم يعد الفساد سلوكا فرديا، بل أصبح نتيجة طبيعية لبنية سياسية وإدارية فقدت فلسفة الدولة. وعندما يغيب الشعور بأن المال مال الشعب، وأن المنصب تكليف لا امتياز، يصبح الفساد جزءًا من آلية الحكم، لا انحرافا عنها.

ولهذا السبب فشلت معظم حملات مكافحة الفساد. لأنها تعاملت مع الفاسدين وكأنهم أصل المشكلة، بينما كانوا في كثير من الأحيان نتاجا لبيئة أنتجتهم وتحميهم وتعيد إنتاج غيرهم. فاعتقال مسؤول، أو محاكمة موظف، أو استبدال حكومة، لا يكفي إذا بقيت البيئة التي تصنع الفساد على حالها.

إن الدولة ليست مباني ووزارات، بل منظومة قيم ومؤسسات تحتكر تطبيق القانون، وتجعل الجميع متساوين أمامه. فإذا ضعفت هذه المنظومة، امتلأ الفراغ بالنفوذ، والمحسوبية، والولاءات الضيقة، وتحول القانون من قاعدة عامة إلى استثناء يُطبَّق على الضعيف ويتوقف عند القوي.

ولهذا، فإن معركة العراق ليست معركة ضد الفساد وحده، بل معركة من أجل استعادة الدولة. لأن الدولة القوية لا تُعرَّف بعدد أجهزتها، بل بقدرتها على حماية المال العام، وصيانة كرامة المواطن، وإخضاع الجميع لسلطان القانون.

إن أخطر ما يفعله الفساد ليس سرقة الأموال، بل سرقة ثقة الإنسان بوطنه. فعندما يفقد المواطن ثقته بأن العدالة ممكنة، وبأن الكفاءة تُكافأ، وبأن القانون لا يميز بين الناس، يبدأ الانتماء إلى الدولة بالتآكل، ويبحث كل فرد عن حماية خارجها، فتدخل البلاد في حلقة مفرغة من الضعف والانقسام.

ولهذا، فإن الإصلاح الحقيقي لا يبدأ من ملاحقة الفاسدين فحسب، بل من إعادة بناء الدولة على أساس المواطنة، واستقلال المؤسسات، وسيادة القانون، وتجريم تحويل السلطة إلى غنيمة. فهذه هي البيئة التي يخشاها الفساد، لأنها تنزع عنه أسباب وجوده.

لقد انشغل العراقيون سنوات طويلة بمطاردة الفاسدين، بينما غاب السؤال الأكبر: من الذي صنع البيئة التي جعلت الفساد أقوى من القانون؟ والحقيقة أن الفاسد لا يولد حاكما، بل تصنعه دولة ضعيفة، وتمنحه الحصانة مؤسسات عاجزة، ويحميه نظام فقد بوصلته الوطنية.

لذلك، فإن الطريق إلى عراق مختلف لا يبدأ من تبديل الأشخاص، بل من استعادة الدولة. فحين تغيب الدولة يحكم الفساد، وحين تعود الدولة… يعود القانون، وتعود الثقة، ويعود الوطن إلى أهله.

التعليقات معطلة.