خسائر هرمز… هل تجرؤ بغداد على المطالبة بحق العراق؟

4

 

 

في العلاقات الدولية لا توجد دولة تحترم نفسها تقف متفرجة على خسائر بمليارات الدولارات دون أن تبحث عن وسائل استردادها. فالدول لا تُقاس بحجم ما تخسره، وإنما بحجم الإرادة التي تبديها للدفاع عن مصالحها الوطنية. أما الصمت، فهو في السياسة تنازل مجاني، وفي الاقتصاد إقرار باستباحة الحقوق.

العراق، الذي يعتمد اقتصاده بصورة شبه كاملة على صادرات النفط، وجد نفسه يدفع ثمن أزمة لم يكن صانعها. فتعطل حركة الملاحة في مضيق هرمز، أو اضطرابها، انعكس مباشرة على صادراته النفطية وإيراداته العامة، بينما كانت الخزينة العراقية تنزف مليارات الدولارات في وقت تحتاج فيه البلاد إلى كل دولار لإعادة بناء اقتصادها وخدماتها وبناها التحتية.

وهنا يبرز السؤال الذي لم تطرحه الحكومة العراقية حتى الآن: إذا كان العراق قد تكبد خسائر جسيمة بسبب أزمة فرضها النظام الإيراني على أمن الملاحة في الخليج، فلماذا لا يدرس، عبر مؤسساته القانونية والدبلوماسية، المطالبة بالتعويض عن تلك الأضرار إذا توافرت الأسس القانونية لذلك؟

لقد تحدث الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن إمكانية استخدام الأموال الإيرانية المجمدة لتعويض الدول التي تعرضت لأضرار نتيجة الهجمات الإيرانية. وإذا كانت هذه التصريحات ستتحول إلى سياسة عملية، فمن الطبيعي أن يطرح العراق ملف خسائره على الطاولة، لا باعتباره منحة سياسية، وإنما باعتباره حقا ينبغي بحثه بالوسائل القانونية والدبلوماسية.

إن القضية هنا لا تتعلق فقط بالأموال، بل بمفهوم الدولة. فالدولة التي تدافع عن مصالحها لا تخجل من المطالبة بحقوقها، ولا تتردد في استخدام كل الوسائل القانونية لحماية اقتصادها. أما الدولة التي تفضل الصمت، فإنها ترسل رسالة خطيرة مفادها أن خسائر شعبها يمكن تجاوزها حفاظا على توازنات سياسية أو حسابات خارجية.

والسؤال الأكثر حساسية هو: هل تمتلك بغداد حرية اتخاذ مثل هذا القرار أصلًا؟

فإذا كان الجواب نعم، فلماذا لا نسمع عن لجنة قانونية، أو تحرك دبلوماسي، أو حتى إعلان رسمي لدراسة حجم الأضرار وإمكانية المطالبة بالتعويض؟

أما إذا كان الجواب لا، فإن المشكلة تصبح أكبر من خسائر هرمز نفسها، لأنها تعني أن القرار العراقي ما زال عاجزا عن الدفاع عن أبسط المصالح الوطنية عندما تتقاطع مع مصالح النظام الإيراني.

إن الشعب العراقي هو أولى بهذه الأموال من أي طرف آخر. فهو الذي تحمل سنوات طويلة من الحروب والعقوبات والإرهاب والفساد وسوء الإدارة، وهو الذي يدفع اليوم ثمن أزمات إقليمية لا ناقة له فيها ولا جمل. ولذلك، فإن أي فرصة قانونية لاسترداد جزء من هذه الخسائر يجب ألا تُهمل أو تُدفن تحت ذرائع المجاملة السياسية أو حسابات الولاءات الإقليمية.

ولعل الأخطر من الخسارة الاقتصادية نفسها هو أن تتحول إلى خسارة سياسية وأخلاقية أيضا. فحين تعجز الدولة عن الدفاع عن حقوقها المالية، فإنها تفتح الباب أمام ترسيخ ثقافة الإفلات من المسؤولية، وتجعل المواطن يشعر بأن ثروته الوطنية مستباحة دون أن يجد من يطالب بها.

إن هذا الملف لا ينبغي أن يكون ساحة للمزايدات، بل اختبارا حقيقيا لسيادة الدولة العراقية. فإن كانت هناك إمكانية قانونية للمطالبة بالتعويض، فعلى بغداد أن تتحرك بلا تردد، وأن تترك للقانون الدولي وللمؤسسات المختصة الفصل في الأمر. أما أن يُغلق الملف قبل أن يُفتح، خوفا من إغضاب هذا الطرف أو ذاك، فذلك لا يعكس حرصًا على العلاقات، بقدر ما يعكس ضعفا في الدفاع عن المصلحة الوطنية.

إن الدول التي تحترم نفسها لا تسمح بأن تتحول خسائر شعوبها إلى أرقام منسية في تقارير وزارة المالية. وإذا كانت بغداد تريد أن تُثبت أنها دولة ذات سيادة، فعليها أن تبدأ من أبسط واجباتها: الدفاع عن حقوق العراقيين، أينما كانت، ومهما كان الطرف الذي تسبب في ضياعها. فسيادة الدول لا تُقاس بالشعارات، بل بقدرتها على حماية مصالح شعوبها والمطالبة بحقوقها دون خوف أو تردد.

التعليقات معطلة.