منال لاشين
أغنانى الكثير من الكتاب والأصدقاء بالكتابة عن كارثة حادث الإسماعيلية، خاصة الأصدقاء من أهل اليسار. وقد وضعوا النقاط فوق الحروف عن طبيعة السياسات الاقتصادية والاجتماعية التى أدت إلى إفقار الملايين من المصريين. وهذه السياسات والانحيازات وضعتهم فى مواجهة ظروف يسهل اصطيادهم فى كوارث الموت أو العجز فى الحوادث بأنواعها والنطاعة والفقر المدقع الكافر يُخرج أسوأ ما فى البشر.
وبالطبع ومن باب محاسبة الحكومة بشكل غير مباشر استدعى البعض المشهد الختامى الأيقونى من فيلم (ضد الحكومة).. مشهد مرافعة الموهوب بزيادة أحمد زكى، وكتابة بضمير ووعى وحرفية وحيد حامد.
أعرف أن معظم المعجبين والشغوفين بالفيلم يتوقفون عند العبارة أو بالأحرى المعنى الأكثر جرأة (كلنا فاسدون ولا أستثنى أحدًا، ولو بالصمت العاجز الذليل)، ولكننى أكثر شغفا بعبارة أخرى فى المرافعة، وهى أننا ننظر إلى موت عشرين تلميذًا وكأنها من طبائع الأمور.
وعندما عبرت لأستاذنا الراحل وحيد حامد بإعجابى بهذه الجملة أبدى دهشته لأن المرافعة بها مناطق أكثر جرأة خاصة لناصرية مثلى.
لكن فى حقيقة الأمر أن معظم كوارثنا، خاصة الفقراء والطبقة المتوسطة بفئاتها الأدنى، وبالطبع المهمشين، تقف وراءها نظرية (من طبائع الأمور).
الحكومات المتعاقبة من بعد الزعيم جمال عبدالناصر تتعامل بهذا المنطق. من طبائع الأمور أن يموت الفقراء بسبب الحوادث أو الأمراض. ومن طبائع الأمور أن الطرق المؤدية لبيوت أو شواطئ الأثرياء أفضل من الطرق فى الأحياء الشعبية أو النجوع.
ومن الطبيعى أن يصاب أولاد الفقراء بالأنيميا وألا يجدوا فرصًا متساوية فى التعليم.. من طبائع الأمور أن تندهش الحكومة لأن هؤلاء المهمشين والفقراء يتجاهلون الخدمات المقدمة لهم أو لأبنائهم.
ومن طبائع الأمور أن بعض الآباء يتخذون من أولادهم طريقًا للرزق، فهذه علاقة أسرية خاصة.
ولكن فى الكثير من الدول، بما فى ذلك دول العالم النامى، لا يتم الاعتماد على نظرية (من طبائع الأمور)، ولا يتم ترك مسؤولية الأطفال للوالدين، فالطفل سعيد الحظ يجد أبًا أو أمًا يقهر الفقر وينحت فى الصخر ليوفر له حياة آدمية وتعليمًا، أو يكون طفلًا سيئ الحظ فيقع فى يد أب لا يعمل ويرمى بعبء المعيشة على عاتق الأطفال.
فى معظم الدول تمت حماية دعم الأطفال من سرقة بعض آبائهم لهذا الدعم وشراء خمور أو سجائر به.
لم تر الحكومات أن كل أب حر فى أولاده، وأن الحكومة عملت اللى عليها. بل ظهرت أفكار مثل قصر استخدام أموال الدعم على سلع موجهة للطفل، مثل الألبان والشيكولاته والدقيق والسمن وغيرها من السلع التى تفيد الأطفال. وبالمناسبة أثمن سؤال البعض عن موقع مشروع (تكافل والدعم النقدى المشروط) أو جدواه مع أسرة الطفلة الشهيدة (بسملة) وأخواتها وجيرانها وأبناء طبقتها. وهل يحصل أهالى الأطفال الشهداء على معاش تكافل وأين المشروطية فى هذا الدعم؟ وأين الرقابة على الأب والأم إذا كان ضمن نظام تكافل؟ وإذا كانوا خارج تغطية مظلة المشروع فلماذا لم يصلهم المشروع؟
وليس من طبائع الأمور ألا يحظى الفقير بنفس العلاج أو التعليم، خاصة فى مراحله الأولى، وقولًا واحدًا ليس من طبائع الأمور أن توفر الحكومات طرقًا آمنة فى أماكن تجمعات الفقراء فى الريف أو المدن.
بصوت وإحساس أحمد زكى.. يا حكومة ما يحدث ليس من طبائع الأمور، هذا إهمال ممزوج بسياسات لا تؤسس إلا لمزيد من إفقار الفقراء وزيادة آلامهم وتهديد حياتهم.

