زيارة ترامب إلى الصين…. هل تحسم الدعم الصيني لإيران وكيف؟

4

 

 

في السياسة الدولية لا توجد زيارات “بروتوكولية” حين تكون المنطقة على حافة الانفجار.

وحين يتحرك رئيس أمريكي بحجم دونالد ترامب نحو بكين، بينما تتصاعد التقارير الغربية عن دعم صيني عميق لإيران في الحرب، فإن الأمر يتجاوز التجارة والرسوم الجمركية بكثير. نحن أمام محاولة لإعادة رسم خطوط الاشتباك العالمية، ومنع انتقال الحرب من الشرق الأوسط إلى قلب النظام الدولي نفسه.

التقارير التي تحدثت عن دور صيني في دعم إيران عسكرياً وتقنياً لم تعد مجرد “تحليلات مؤامرة” كما كان يُقال سابقاً.

المشهد أصبح أكثر وضوحاً:

رقائق إلكترونية، أنظمة توجيه، دعم فضائي، تقنيات تشويش وتمويه، ومكونات دخلت مباشرة في بنية الطائرات المسيّرة والصواريخ الإيرانية.

والأخطر أن هذا الدعم ، إن ثبت بحجمه الحقيقي ، يعني أن بكين لم تعد تكتفي بدور “الشريك الاقتصادي” لطهران، بل بدأت تختبر قدرتها على إنهاك القوة الأمريكية بطريقة غير مباشرة.

الصين تدرك جيداً أن الدخول في مواجهة عسكرية صريحة مع الولايات المتحدة ما يزال خياراً مكلفاً وخطيراً، لذلك اختارت الحرب الحديثة:

حرب التكنولوجيا….. وسلاسل الإمداد….. والذكاء الإلكتروني.

إنها معادلة تقوم على مبدأ بسيط:

اجعل خصمك يستهلك ملياراته العسكرية في مطاردة أهداف مضللة، بينما تحافظ أنت وحلفاؤك على القدرة الاستراتيجية الأساسية.

ولهذا أثارت التقارير المتعلقة بأنظمة التمويه الحراري الإيرانية قلقاً كبيراً داخل الدوائر الغربية.

فإذا كانت القنابل الذكية تُستدرج نحو إشارات وهمية، وإذا كانت المسيرات الأمريكية المتطورة تُسقط بهذا المعدل، فهذا يعني أن طبيعة التفوق العسكري الأمريكي نفسها أصبحت موضع اختبار حقيقي.

هنا تحديداً تظهر أهمية زيارة ترامب المحتملة أو “المراقبة” إلى الصين.

الهدف ليس المجاملة السياسية، بل إيصال رسالة شديدة الوضوح لبكين:

واشنطن تستطيع تحمّل حرب مع إيران،

لكنها لن تتسامح مع تحويل إيران إلى منصة صينية لاستنزاف القوة الأمريكية في الشرق الأوسط.

ترامب، بعقليته التجارية ،، الصدامية، يعرف أن أخطر ما تواجهه أمريكا ليس الصاروخ الإيراني بحد ذاته، بل التحالفات التي تمنح هذا الصاروخ عقلاً إلكترونياً وشبكة نجاة تكنولوجية.

ولذلك فإن أي لقاء مع القيادة الصينية سيكون محوره الحقيقي سؤال واحد:

إلى أي مدى أنتم مستعدون للذهاب في دعم طهران؟

الصين من جهتها تلعب لعبة دقيقة للغاية.

هي لا تريد سقوط النظام الإيراني، لأن سقوطه يعني خسارة شريان طاقة هائل، وخسارة عقدة استراتيجية مهمة ضمن مشروع “الحزام والطريق”، كما يعني تمدداً أمريكياً أكبر قرب حدود النفوذ الصيني الروسي.

لكنها أيضاً لا تريد حرباً شاملة قد تخنق الاقتصاد العالمي وتضرب صادراتها وأسواقها.

لهذا تبدو بكين وكأنها تمارس سياسة “الدعم تحت السقف”:

دعم يكفي لمنع انهيار إيران،

لكن ليس بالقدر الذي يدفع أمريكا إلى مواجهة مباشرة مع الصين.

غير أن المشكلة تكمن في أن الحروب لا تبقى دائماً تحت السيطرة.

فكل طائرة أمريكية تُسقط، وكل ضربة تفشل، وكل نظام تشويش يربك سلاحاً غربياً متطوراً، يدفع المؤسسة العسكرية الأمريكية إلى طرح سؤال خطير:

هل أصبحت الصين تختبر أسلحتها ونظرياتها القتالية علينا عبر إيران؟

هذا السؤال وحده كفيل بتحويل أي زيارة سياسية إلى جلسة إنذار استراتيجي مغلقة.

الأكثر إثارة أن ارتدادات هذه الحرب لم تعد محصورة بين واشنطن وطهران.

حتى حلفاء أمريكا الخليجيون بدأوا يعيدون تقييم منظومات السلاح الغربية، خصوصاً الطائرات المسيّرة التي كانت تُسوَّق باعتبارها رمز الهيمنة الجوية الحديثة.

وحين تبدأ الثقة بالسلاح الأمريكي بالاهتزاز، فإن الأمر لا يصبح عسكرياً فقط ، بل اقتصادياً وسياسياً وهيبوياً أيضاً.

لهذا فإن زيارة ترامب إلى الصين إن تمت بهذا السياق ، لن تكون محاولة لإيقاف حرب فقط، بل محاولة لمنع ولادة عالم جديد تتآكل فيه الهيمنة الأمريكية بصمت، عبر التكنولوجيا والحروب غير المباشرة.

لقد تغيّرت قواعد القوة.

لم يعد الانتصار يُقاس بعدد حاملات الطائرات فقط، بل بمن يملك القدرة على تعطيلها إلكترونياً، واستنزافها نفسياً ومالياً دون إطلاق رصاصة مباشرة.

وفي عالم كهذا، قد تكون أخطر الحروب…. تلك التي لا تُعلن رسمياً أبداً.

التعليقات معطلة.