ليس السؤال ماذا تريد أمريكا…. بل متى تغيّر إيران حساباتها؟

2

 

وسط ضجيج التصريحات المتبادلة، والعقوبات، والوساطات، والرسائل المعلنة والسرية، يضيع كثيرون في تفاصيل المشهد الأمريكي الإيراني، بينما تكمن الحقيقة في مكان آخر تماماً.

فالأزمة كلها لا تدور حول ما إذا كانت واشنطن قادرة على زيادة الضغوط، ولا حول ما إذا كانت طهران قادرة على إطلاق المزيد من التهديدات.

الأزمة الحقيقية تدور حول سؤال واحد فقط:

متى تصل إيران إلى قناعة بأن كلفة الصمود أصبحت أعلى من كلفة التنازل؟

هذا هو السؤال الذي يحدد مستقبل المواجهة، وما عداه تفاصيل.

فعلى امتداد أكثر من أربعة عقود، نجحت الجمهورية الإسلامية في تحويل الوقت إلى سلاح استراتيجي. كانت تراهن دائماً على أن خصومها يتعبون قبلها، وأن الإدارات الأمريكية تتغير، وأن الأزمات الدولية تتبدل، وأن الضغوط مهما اشتدت تبقى أقل خطراً من تقديم تنازلات تمس جوهر المشروع الذي تأسس عليه النظام.

لهذا لم تكن العقوبات وحدها كافية لإجبار طهران على التراجع، ولم تكن التهديدات العسكرية وحدها كافية لتغيير سلوكها بصورة جذرية.

لكن المشهد الحالي يختلف عن كثير من المحطات السابقة.

فإيران تواجه ضغوطاً متراكمة اقتصادياً وسياسياً وإقليمياً. كما أن شبكة النفوذ التي بنتها خلال سنوات طويلة أصبحت تواجه تحديات غير مسبوقة، فيما تعمل الولايات المتحدة على إقناع طهران بأن هامش المناورة يضيق أكثر فأكثر.

في المقابل، لا تزال القيادة الإيرانية تراهن على أن الصمود سيمنحها شروطاً أفضل من التنازل، وأن الوقت لم يتحول بعد إلى عامل ضدها بصورة كاملة.

وهنا يكمن جوهر الصراع.

واشنطن لا تحاول فقط فرض شروط جديدة، بل تسعى إلى تغيير الحسابات الإيرانية نفسها.

وطهران لا تحاول فقط مقاومة الضغوط، بل تسعى إلى إثبات أن قدرتها على التحمل ما زالت أكبر من قدرة خصومها على الاستمرار.

لذلك فإن المفاوضات ليست هي المعركة الحقيقية، بل انعكاس لها.

أما المعركة الفعلية فتجري في مكان آخر؛ داخل مراكز صنع القرار، حيث تُحسب كلفة كل يوم إضافي من المواجهة، وكلفة كل خطوة نحو التسوية.

وعندما تصل القيادة الإيرانية إلى قناعة بأن الاستمرار أصبح أكثر خطراً على النظام من التراجع، ستصبح التسوية ممكنة خلال وقت قصير جداً، مهما كانت اللغة المتشددة المستخدمة في العلن.

أما إذا بقي الاعتقاد السائد في طهران أن الوقت ما زال يعمل لصالحها، فإن الأزمة ستستمر، وستبقى المنطقة تدور في الحلقة نفسها من التصعيد والتهدئة والانتظار.

لهذا فإن السؤال الحقيقي ليس: هل ستتفاوض إيران؟

وليس: هل ستصعّد أمريكا؟

بل: من سيغيّر حساباته أولاً؟

فالتاريخ يعلمنا أن الصراعات الكبرى لا تنتهي عندما يقتنع طرف بأنه انتصر، بل عندما يقتنع طرف آخر بأن كلفة الاستمرار أصبحت أعلى من كلفة التراجع .

التعليقات معطلة.