سرداب چويلي…. حين كان العراقي أكبر من حزبه

4

 

 

في زمنٍ كانت الدولة تطارد الجميع…. كان هناك رجل يحمي الجميع.

في ستينيات القرن الماضي، حين كانت السلطة العارفية تضيق على الشيوعي والبعثي وكل من يقع خارج مزاجها، كان العراق يعيش اختناقا حقيقيا، خوف في الأعلى، واحتقان في الأسفل. وفي مدينة العمارة، وسط هذا المشهد المضطرب ، ظهر رجل لا يشبه زمنه…. اسمه چويلي.

لم يكن سياسيا، ولا مثقفا، ولا صاحب مشروع. لكنه امتلك ما هو أخطر من كل ذلك. فطرة عراقية سليمة لم تُلوّثها الشعارات.

كان بيته عبارة عن مضيفا مفتوحا لكل هارب من سلطة، او خصومة عشائرية، وحتى من خطأ شخصي. لم يسأل يوما عن الانتماء، ولا عن اللون السياسي، ولا عن الماضي. كان يسأل سؤالا واحدا فقط لكل قادم اليه: “جوعان” ؟

في داخل دار چويلي كان هناك سرداب. مكان ضيق في الجغرافيا… واسع في المعنى بسعة وطن. 

نزل فيه شيوعيون من الذين أنهكتهم المطاردة…. وبعدهم بأيام نزل بعثيون هاربون من خصومهم. وهكذا كانوا

أعداء فوق الأرض…. وضيوف تحتها. في سرداب چويلي

في ذلك الظلام البارد، سقطت كل التعريفات الجاهزة. جلس المختلفون جنيا إلى جنب، يأكلون من ماعون واحد، وينصتون لنفس الريح خلف الباب…. وكأن شيئا في داخلهم بدأ يتصدّع: فكرة أن الآخر عدو بالضرورة.

لم يكن چويلي يحاول أن يجمعهم سياسيا…. كان يعيدهم إلى الحد الأدنى من إنسانيتهم.

كرامة لا تحرسها دولة

وحين كانت مفارز الأمن تدق الباب فجأة، كان يخرج إليهم چويلي بثبات مدهش.

ينفي وجود أحد….. ثم يضيف ببساطة: “تفضلوا….. تغدّوا.” 

فيجلس رجال الأمن العارفي في مضيفه، يأكلون ويحمدون، دون أن يدركوا أن من يبحثون عنهم… كانوا تحت أقدامهم مباشرة.

في سرداب رجل…. كان أرحم من دولة.

وبعد خروجهم، يفتح الباب. يخرج المختبئون واحدا تلو الآخر. يضحكون، يتبادلون القصص ذكرياتهم في ذلك السراب الذي وحدهم كبشر ، ثم يمضون…. لكنهم لا يعودون كما كانوا.

شيء ما تغيّر: أدركوا، ولو للحظة، أن الإنسان أوسع من حزبه….. وأغلى من شعاره.

ما الذي خسرناه؟

چويلي لم يؤسس حزبا، ولم يكتب بيانا، ولم يظهر في خطاب.

لكنه قدّم درسا فشل فيه الجميع:

أن المشكلة لم تكن يوما في التنوع…. بل فيمن حوّله إلى خندق.

سردابه لم يكن مكان اختباء…. بل مساحة تصحيح.

مساحة تُسقط الكراهية، وتعيد تعريف “الآخر” من عدو إلى إنسان.

كان ذلك قبل أن يتحول الانتماء إلى سلاح، والهوية إلى متراس، والجيرة إلى شك دائم.

قبل أن يصبح العراقي يُعرّف نفسه بما يفرّقه… لا بما يجمعه.

اليوم…. المشكلة ليست في غياب چويلي

اليوم، لا ينقصنا چويلي…. 

بل ينقصنا أن نخجل من أنفسنا اولا، كل منا أمام فكرته.

نعيش زمان تُرفع فيه الشعارات أعلى من الإنسان، وتُحمى فيه الانتماءات أكثر مما تحمى الكرامة.

زمن صار فيه الاختلاف تهمة…. لا حقيقة طبيعية.

چويلي لم يكن بطلا خارقا.

كان مجرد رجل فهم ما عجزت عنه السياسة:

أن الجائع لا يُسأل عن فكرته…. بل عن حاجته.

وأن الخائف لا يُسأل عن انتمائه…. بل عن أمانه.

سرداب چويلي…. ليس حنينًا

هذه ليست قصة للماضي…. ولا دعوة للبكاء عليه.

بل إدانة صامتة لحاضر تراجع فيه الإنسان كثيرا وتقدمت فيه اللافتات.

سرداب چويلي لم يكن تحت الأرض فقط.….

كان فوقها أيضا، في أخلاق رجلٍ رفض أن يرى الناس كما تريدهم السلطة…. واختار أن يراهم كما هم: بشرا.

ذلك هو العراق الذي كان ممكنا….

وذلك هو العراق الذي يمكن أن يعود 

حين إن نتجرأ، مرة واحدة، وأن نكون أكبر من أحزابنا.

التعليقات معطلة.