“عملاق منهك”.. هكذا ترى الصين الولايات المتحدة بعد الحرب على إيران

2



لندن- عربي21

الصين وقفت إلى جانب إيران خلال الحرب الأخيرة- الأناضول

نشرت صحيفة “نيويورك تايمز” تقريرا للصحفيين ديفيد بيرسون وبيري وانغ تناول العلاقة بين الصين والولايات المتحدة في ظل المتغيرات العالمية.

وقال كاتبا التقرير، إن محللين صينيين يقولون إن قدرة أمريكا على ردع الصين في حرب على تايوان قد تضاءلت، مما يمنح بكين نفوذا في القمة المرتقبة مع الرئيس ترامب.

وأدت الحرب الضارية في إيران إلى استنزاف كبير للقوة النارية الأمريكية، لدرجة أن المحللين الصينيين يشككون علنا في قدرة واشنطن على الدفاع عن تايوان. ويهدد هذا التحول في الحسابات بتقويض نفوذ الرئيس ترامب في قمته المصيرية الأسبوع المقبل مع الزعيم الصيني شي جين بينغ.

ومنذ بدء الحرب في أواخر شباط/ فبراير، استهلكت الولايات المتحدة نحو نصف صواريخها الجوالة الشبحية بعيدة المدى، وأطلقت ما يقارب عشرة أضعاف عدد صواريخ توماهوك الجوالة التي تشتريها سنويا، وفقا لتقديرات داخلية لوزارة الدفاع ومسؤولين في الكونغرس.

ويرى بعض المحللين العسكريين والجيوسياسيين الصينيين أن الحرب لم تقتصر على استنزاف مخزونات الذخائر الأمريكية فحسب، بل حطمت أيضا هالة الهيمنة الأمريكية. ويجادلون بأنها كشفت عن خلل جوهري في استراتيجية الحرب الأمريكية: عجزها عن إنتاج الأسلحة بالسرعة الكافية لتجديد ترسانتها في صراع طويل الأمد وشديد.

وفي مقابلة صحفية، قال يو غانغ، العقيد المتقاعد في جيش التحرير الشعبي: “أدى هذا الاستنزاف إلى تقليص قدرة الجيش الأمريكي بشكل كبير على بسط نفوذه القتالي، كاشفا عن أوجه القصور في هيمنته العسكرية العالمية”.

وتساهم هذه الحجج في تأجيج سردية سائدة بين المعلقين الصينيين المتشددين، وربما داخل الحكومة، مفادها أن القوات الأمريكية لم تعد قادرة على الدفاع بفعالية عن تايوان في حال نشوب حرب بين الولايات المتحدة والصين بسبب الجزيرة ذات الحكم الذاتي.

ويرى القوميون الصينيون أن الولايات المتحدة، لعجزها عن تحقيق نصر سريع على إيران، القوة العسكرية الإقليمية، ستواجه على الأرجح صعوبة أكبر في مواجهة الصين، التي يعتبرها المحللون منافسا قويا.

من هذا المنظور، يُضعف المأزق الأمريكي مع إيران موقف الرئيس ترامب قبل محادثاته مع الرئيس شي الأسبوع المقبل وفقا للتقرير.

وقال يو: “كان ترامب ينوي في الأصل زيارة الصين متظاهرا بأنه منتصر سريع، مستغلا موقعه لزيادة الضغط على الصين. أما الآن، ومع وصول الصراع إلى طريق مسدود وتوقف الحملة العسكرية، يجد نفسه في موقف صعب”.

وأضاف: “لن يتمكن ترامب من إظهار نفس الغطرسة”.

ومن المتوقع أن يسعى ترامب إلى إبرام اتفاقيات مع شي للمساعدة في خفض العجز التجاري الأمريكي مع الصين. وقد يشمل ذلك تعهدات من بكين بشراء المزيد من فول الصويا الأمريكي وطائرات بوينغ.

وقال جيمسون غرير، الممثل التجاري الأمريكي، لتلفزيون بلومبيرغ يوم الأربعاء، إن الرئيس ترامب سيضغط أيضا على الرئيس شي جين بينغ بشأن استمرار الصين في شراء النفط الإيراني.

من جانبها، تسعى الصين إلى استقرار العلاقات مع إدارة ترامب وتمديد الهدنة التجارية للتركيز على إنعاش اقتصادها وتطوير تقنياتها الخاصة.

وتريد بكين من إدارة ترامب تقليص دعمها لتايوان. وكان الرئيس شي قد حذر الرئيس ترامب في شباط/ فبراير من أن الصين “لن تسمح أبدا بانفصال تايوان عنها”، وحثه على التعامل مع مبيعات الأسلحة الأمريكية للجزيرة “بحذر”. (وقد أرجأت إدارة ترامب منذ ذلك الحين الإعلان عن حزمة مبيعات أسلحة لتايوان تجنبا لإثارة غضب الرئيس شي).

وألمح وزير الخارجية الصيني، وانغ يي، إلى أن بكين قد تسعى إلى تحقيق انفراجة ما. ففي مكالمة هاتفية الشهر الماضي مع وزير الخارجية ماركو روبيو، دعا وانغ الصين والولايات المتحدة إلى “فتح آفاق جديدة” بشأن قضية تايوان، دون أن يُفصّل في ذلك.
اقرأ أيضا:

حرب إيران تفجر قمة شي وترامب.. العالم يترقب إعادة تشكيل التوازنات الكبرى

الصين ترى تراجعا في نفوذها
قبل انعقاد القمة، سعى البلدان إلى الحفاظ على حياد، وإن كان مصحوبا بنوع من التوتر. وقد انتهجت الصين نهجا حذرا في مناقشة الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، وهو صراع تقول إنها عارضته منذ البداية. وأقرب ما وصل إليه الرئيس شي جين بينغ من انتقاد الرئيس ترامب، دون تسميته صراحة، هو إدانة انتهاك القانون الدولي ووصفه بأنه “عودة إلى قانون الغاب”.

قد يُفسر هذا الحرص على التزام الحياد، في الوقت الراهن، سببَ تحفظ وسائل الإعلام الصينية الرسمية في تعليقاتها حول نقاط الضعف العسكرية الأمريكية نتيجة للحرب في إيران.

تشير التقارير والتعليقات إلى استنزاف الصواريخ وتحويل الموارد الأمريكية، لكنها عموما تتجنب تصوير الحرب على أنها ذات فائدة استراتيجية للصين، كما يقول مانوج كيوالراماني، رئيس قسم دراسات منطقة المحيطين الهندي والهادئ في معهد تاكشاشيلا في بنغالور بالهند، والذي يرصد وسائل الإعلام الصينية.

ومن الاستثناءات البارزة مقال في مجلة “تشيوشي”، وهي المجلة النظرية الرائدة للحزب الشيوعي، والذي جادل بأن “الصراع استنزف الموارد الاستراتيجية الأمريكية، مما قد يضع البلاد في موقف حرج”.

واستثناء آخر هو افتتاحية في صحيفة “غلوبال تايمز”، وهي صحيفة قومية يسيطر عليها الحزب الشيوعي، والتي قالت إنه إذا لم يتمكن الجيش الأمريكي من نشر أسلحته في جميع أنحاء العالم، فسيكون “عملاقا أعرج”.

قال هو شيجين، رئيس التحرير السابق المؤثر لصحيفة غلوبال تايمز، إن التحديات التي واجهتها الولايات المتحدة في سلسلة إمداد الذخائر، والتي كشفت عنها الحرب، لم تمنح بكين تفوقا ماديا فحسب، بل تفوقا نفسيا أيضا في أي حرب محتملة على تايوان.

وأضاف هو في مقابلة: “إذا نظرنا إلى الوضع على أنه لعبة ثقة استراتيجية بين الصين والولايات المتحدة بشأن مضيق تايوان – لعبة شطرنج إن صح التعبير – فإن الولايات المتحدة على وشك خسارة جميع قطعها”، لكن الجيش الصيني يعاني من مشاكل أيضا.

ويرفض البيت الأبيض والمسؤولون العسكريون الأمريكيون فكرة أن العمليات في الشرق الأوسط قد قوّضت موقف واشنطن في آسيا. وقد صرّح وزير الدفاع بيت هيغسيث بأن ردع الصين “بالقوة” كان من بين أهم أربع أولويات لوزارة الدفاع.

وردا على سؤال وُجّه إليه خلال جلسة استماع في مجلس الشيوخ الشهر الماضي حول ما إذا كان تحويل الموارد إلى الشرق الأوسط يُضعف جاهزية الجيش الأمريكي في المحيط الهادئ، قال الأدميرال صموئيل بابارو الابن، قائد القيادة العسكرية الأمريكية في منطقة المحيطين الهندي والهادئ: “لا أرى أي تكلفة حقيقية تُفرض على قدرتنا على ردع الصين”.

وبالطبع، تكثر التساؤلات حول جاهزية الجيش الصيني نفسه. فجيش التحرير الشعبي لم يُختبر في معارك كبرى لما يقرب من خمسة عقود، كما أن قيادته العليا تعاني من اضطراب شديد نتيجة عمليات التطهير السياسي وحملة مكافحة الفساد.

في المقابل، أظهر الجيش الأمريكي قوته باغتيال قادة طهران، وفرض سيطرته على الأجواء فوق إيران، وإرسال قوات خاصة إلى أراضي العدو لإنقاذ طيار أُسقطت طائرته.

وقال درو طومسون، المسؤول السابق في البنتاغون والباحث البارز حاليا في كلية إس. راجاراتنام للدراسات الدولية في سنغافورة: “لقد أثبتت الولايات المتحدة بنجاح كبير قدراتها الحربية بطريقة ينبغي على الصين أن تعتبرها ذات مصداقية”.

وحذّر طومسون أيضا من مقارنة الصراع في إيران بالحرب على تايوان. ففي الدفاع عن الجزيرة، ستعتمد الولايات المتحدة بشكل كبير على الصواريخ المضادة للسفن، التي استُخدمت باعتدال ضد إيران، لاستهداف أي أسطول غزو صيني.
اقرأ أيضا:

ترامب يربك مسار الاتفاق مع إيران وتصعيد دبلوماسي متبادل

رسالة إلى حلفاء الولايات المتحدة
حتى دون اللجوء إلى الحرب، يمكن للصين أن تشير إلى التعقيدات التي تواجهها إدارة ترامب، وأن تُجادل حلفاء الولايات المتحدة في آسيا بأن واشنطن لا يُمكن الاعتماد عليها كضامن أمني.

وقال وانغ دونغ، المدير التنفيذي لمعهد التعاون والتفاهم العالميين بجامعة بكين: “عندما يواجه الحلفاء حالة من عدم اليقين بشأن عمليات الانتشار وتأخر وصول المعدات، فإن ذلك يُثير حتما تساؤلات حول موثوقية وثبات الضمانات الأمنية الأمريكية في المنطقة”.

وأضاف أن الولايات المتحدة “تواجه حدود وجودها العسكري العالمي”.

وقد تُشجع الحرب في إيران الصين في نهاية المطاف على أن تُصبح أكثر حزما في آسيا باستخدام تكتيكات المنطقة الرمادية – وهي تحركات عدوانية لا تصل إلى حد التحريض على حرب شاملة. على سبيل المثال، قامت الصين خلال الأشهر القليلة الماضية ببناء جزيرة في المياه المتنازع عليها قبالة سواحل فيتنام، ما سيمكنها من تعزيز سيطرتها على بحر الصين الجنوبي.

ويرى برايان هارت، الباحث في مشروع قوة الصين بمركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، أن بكين من غير المرجح أن تُسرّع خططها لغزو تايوان.

وأضاف أن أي خطة من هذا القبيل ستعتمد في المقام الأول على “عوامل سياسية”، مثل إعلان تايوان استقلالها رسميا بشكل مفاجئ.

التعليقات معطلة.