شيماء نبيل الملا
لو تقدم شابان إلى وظيفة ما، الأول تخرج في جامعة عالمية مرموقة، والآخر تعلم المهارات ذاتها من أفضل المنصات الرقمية، وتتلمذ على نخبة من الخبراء، واستخدم أحدث أدوات الذكاء الاصطناعي، وأنجز مشروعات عملية تثبت كفاءته، فمن منهما سيحظى بالأولوية؟… لو كانت المعرفة وحدها هي معيار الاختيار، فقد لا يكون بينهما فرق كبير، لكن الواقع قد يمنح الأفضلية للأول، لأن الشهادة التي يحملها تقول عنه أشياء كثيرة قبل أن يتحدث.
لسنوات طويلة، كانت الجامعة هي البوابة الوحيدة تقريباً إلى المعرفة، وكانت الشهادة تمثل دليلا على امتلاك المعرفة، لأن الطريق إليها كان يمر حصرا عبر المؤسسة التعليمية، أما اليوم فقد تغير المشهد بصورة جذرية، فأفضل المحاضرات أصبحت متاحة بضغطة زر، وأقوى أدوات الشرح يقدمها الذكاء الاصطناعي، وآلاف الكتب والدورات والخبرات أصبحت في متناول أي شخص يمتلك اتصالا بالإنترنت.
فالشهادة أصبحت في كثير من الأحيان إشارة اجتماعية تختصر صورة ذهنية كاملة عن حاملها، فهي قد تعكس مستوى المؤسسة التي درس فيها، ونوعية البيئة الأكاديمية التي عاشها، والشبكة المهنية التي انضم إليها، والانطباع الذي يسبق اسمه عند أصحاب القرار، ولهذا قد نجد أن سوق العمل يدفع مقابل الثقة التي تمنحها بعض العلامات التعليمية التي تشبه إلى حد كبير العلامات التجارية.
فكلما أصبحت المعرفة متاحة، ازدادت قيمة ما تضيفه الجامعة للطالب من خبرات وعلاقات وفرص وبيئة تساعده على النمو، مثل بناء العلاقات، والانتماء إلى شبكة خريجين مؤثرة، والتجارب العملية، والاحتكاك المباشر بالعقول المتميزة، والهوية التي تمنحها المؤسسة التعليمية لطلابها.
لكن هذا التحول يحمل في الوقت نفسه تحدياً لا ينبغي تجاهله، فإذا أصبحت قيمة الشهادة أعلى من قيمة المعرفة، فقد يبدأ المجتمع في مكافأة الاسم أكثر من الكفاءة، وقد يحصل بعض الأشخاص على فرص أكبر لأنهم يحملون شعاراً معيناً، لا لأنهم يمتلكون قدرة أكبر على الإنجاز، أي أن تتحول المكانة إلى بديل عن الكفاءة، وأن تصبح العلامة التعليمية غاية في ذاتها، بدل أن تكون انعكاساً حقيقياً للمعرفة والقدرة.
شيماء نبيل الملا

