أسرار جوهر حيات
في مشهد لم نعتده في الكويت منذ سنوات، بدا عيد الاضحى هذا العام مختلفاً.
فقد اعتادت الكثير من الأسر الكويتية، ولملاءمة الظروف في السنوات الماضية، على تخصيص إجازة عيد الاضحى للسفر والسياحة الخارجية، إلا أن الظروف الإقليمية هذا العام حالت دون ذلك، لكثير من الأسر والأفراد، لتعيش الكويت أجواء عيد كاملة، بازدحام جداول الأسر بالزيارات العائلية، وتهاني العيد وقضاء أوقات فراغهم في الترفيه المحلي، على النحو ذاته الذي نشهده في عيد الفطر، الذي غالباً ما تختار الأسر قضاءه في البلاد.
بدا المشهد مختلفاً في العديد من الأماكن، تجمعات عائلية، بعضها في «الديرة»، وبعضها في مناطق الشاليهات للاستمتاع بدخول فصل الصيف والسباحة، مجمعات مزدحمة برواد يبحثون عن أجواء العيد في مطاعمها ومقاهيها، رحلات سياحة داخلية تبث إعلاناتها لجذب من يرغب باكتشاف أماكن تستحق الزيارة في الكويت، أو حتى فعاليات جماعية بحرية أو برية، مطاعم تزدحم فيها قوائم الانتظار، عروض مسرحية متنوعة، سينما مليئة بالناس، وغيرها من مشاهد، وكأن الكويتيين يكتشفون المتعة محلياً من جديد.
ولعل هذا ما أعاد جوهر عيد الأضحى الاجتماعي، حيث صلة الرحم واللقاءات الأسرية وغيرها، تشكّل جزءاً أساسياً من ذاكرة الأعياد في الكويت.
ولنكن أكثر دقة وعمقاً، لم يكن الأثر اجتماعياً فقط، بل كان اقتصادياً أيضاً، فحجم الإنفاق الذي شهدته قطاعات اقتصادية مختلفة، هذا العيد، في البلاد، كان سينفق في الخارج، إلا أن الظروف، ساقته ليجد طريقه في السوق المحلي، ويكون محركاً آخر للاقتصاد، وهو بالضبط مصداق للقول «رُبّ ضارة نافعة».
وهنا تظهر النقطة الأساسية، التي طالما أكدنا عليها، اننا في الكويت لا تنقصنا أماكن الترفيه، ولدينا بعض نقاط الجذب السياحي، وهناك مواهب قادرة على ابتكار فعاليات مختلفة ومتنوعة، فلماذا لا نروّج لما ما يمكن تسميته بـ«اقتصاد العيد المحلي»، في اشارة للنشاط الاقتصادي، الذي يمكن خلقه من قضاء الإجازات الممتدة للأعياد، محلياً، دون ان يكون المطار الوجهة الأولى، التي تخطر على بال المواطن أو المقيم كلما دق جرس الاجازة!
وفي هذا المحرك الاقتصادي الإنفاق لا يذهب الى الخارج، بل يبقى داخل الدورة الاقتصادية المحلية، ويصل أثره الى قطاعات متعددة، من الضيافة والترفيه الى تجارة التجزئة والمشاريع الصغيرة.
كما أن العيد كشف عن فرصة مهمة للسياحة الداخلية، وهي فرصة كثيراً ما يتم الحديث عنها دون أن تجد اختباراً حقيقياً على أرض الواقع، فقد أثبتت الأيام الماضية ان هناك طلباً فعلياً على الأنشطة والوجهات المحلية، عندما تتوافر الخيارات المناسبة، وان المواطن والمقيم مستعدان لقضاء أوقات ممتعة داخل الكويت متى ما وجدا التجربة الجيدة.
وعلينا البدء فعلياً في وضع خطط وبرامج للسياحة الداخلية، وأن نضع بالحسبان أن المواسم والأعياد ليست مجرد مناسبات اجتماعية، بل محركات إنفاق مؤقتة، يمكن ان تنعش قطاعات كاملة.
وربما حمل عيد الأضحى هذا العام رسالة غير مباشرة، الى جانب الأثر الايجابي في اللقاءات العائلية، وتعزيز صلة الرحم والتواصل بين الأقارب، وهي ان الاستثمار في الترفيه والسياحة الداخلية لم يعد ترفاً، بل ضرورة اقتصادية، فكل فعالية ناجحة، وكل وجهة جاذبة، وكل تجربة محلية مميزة، تعني جزءاً أكبر من الإنفاق يبقى داخل البلاد، ويعود بالنفع على الاقتصاد الوطني.
أسرار جوهر حيات

