كانت تعرف أنه لن يجيب

1

كتب: عزة كامل

 

فى اليوم الأول بعد موت ابنها، لم تبكِ أمينة، جلست على حافة السرير، وتنظر إلى الباب كأنها تنتظر أن يُفتح بعد قليل، ويدخل منه وهو يقول عبارته المعتادة: «ماما، فين الشاى؟»، كلما سمعت صوت مفتاح فى باب الجيران، رفعت رأسها، وفى اليوم الثالث، جاءت أختها وجلست بجوارها، قالت لها: «ابكى يا أمينة، البكا يريح»، مرت الأيام، وظلت تؤدى الأشياء الصغيرة التى يفعلها الأحياء وتفتح نافذة غرفته كل صباح، كانت تخاف أن تغلقها، كأن الهواء إذا انقطع عن الغرفة، سيتوقف عن التنفس.

وفى الأيام الأخيرة، بدأت أمينة تنسى أشياء صغيرة، لكن الشىء الوحيد الذى لم تنسه، كان موعد عودته كل مساء، عند السادسة تمامًا، كانت تترك باب الشقة مواربًا، وتضع كوبًا ثانيًا على المائدة، لم تكن تنتظر معجزة، كانت فقط لا تستطيع أن تتعلم الغياب دفعة واحدة، وتحتاج أن تتعلمه قليلًا قليلًا، مثل طفل يتعلم المشى دون أن يمسك يد أمه، وفى مساء بارد، بينما كانت جالسة وحدها، سمعت ضحكة فى الشارع تشبه ضحكته، انتفض، وظلت واقفة للحظات، ثم أغلقت الباب ببطء، عادت إلى المائدة، وأخذت الكوب، واحتضنته بيديها، ثم همست: «اتأخرت قوى النهارده يا حبيبي»، وكانت تلك أول مرة تفهم فيها أن الإنسان لا يموت مرة واحدة حين يفقد من يحب، يموت منه كل يوم جزء صغير، حتى يأتى صباح لا يعرف فيه كيف يفتح عينيه على عالم لم يعد فيه ذلك الشخص، بعد شهر، دخلت غرفته، وجدت تحت الوسادة جوربه القديم، ضمته إلى صدرها، وفجأة، خرج منها صوت غريب، ليس بكاءً، ولا صراخًا، شىء يشبه شهقة طفل ضائع فى سوق مزدحم، ظلت تضمه وتقول: «بردان؟»، ثم سكتت قليلًا وأضافت: «أنا هنا»، كانت تعرف أنه لن يجيب، فى تلك الليلة، نامت للمرة الأولى منذ موته، وفى الصباح، دخلت أختها عليها، فوجدتها جالسة على طرف السرير، مرتدية ملابسها كاملة، وشعرها ممشط، ووجهها هادئ بصورة مخيفة، قالت: «أمينة؟»لم تجب، اقتربت منها ولمست يدها، كانت باردة، وعلى صدرها كان الجورب الصغير الذى وجدته تحت الوسادة، وحين حاولت أختها أن تأخذه منها، تشبثت به أصابع أمينة بقوة، كأنها فى اللحظة الأخيرة، كانت تخشى أن يأخذه الموت، وبجوارها على السرير، كان كوب الشاى قد برد تمامًا، ولأول مرة منذ مات ابنها، لم تنتظر أن يُفتح الباب، لأنها كانت قد ذهبت هى إليه.

التعليقات معطلة.