كان يجب أن تبدأ الزيارة الى بكين قبل القصف على طهران

4

 

 

هذه هي الحقيقة التي بدأت تتكشف بعد الحرب، لا قبلها.

ترامب دخل المواجهة مع إيران وهو يعتقد أن القوة العسكرية وحدها كافية لإعادة رسم الشرق الأوسط، وأن ضربة قاسية وسريعة ستسقط طهران أو تُخضعها بالكامل، ثم تمنحه موقع المنتصر الذي يذهب إلى الصين ليفاوض من موقع الهيمنة المطلقة على الشرق الاوسط.

لكن ما حدث على الأرض كشف خطأ الحسابات الأميركية.

فواشنطن اكتشفت متأخرة أن حسم ملف إيران لا يبدأ بالقصف…. بل بتفكيك شبكة الحماية الدولية التي تستند إليها طهران، وفي مقدمتها الصين.

كان من المفترض أن تكون بكين هي المحطة الأولى، لا الأخيرة.

لأن المعركة الحقيقية لم تكن فقط مع الصواريخ الإيرانية أو أذرع طهران في المنطقة، بل مع قدرة إيران على الاحتماء داخل التناقضات الدولية، والاستفادة من الصراع الأميركي ـ الصيني للبقاء والمناورة.

ترامب كان بحاجة أولا إلى انتزاع إيران من تحالفاتها الدولية، أو على الأقل تحييد الصين بشكل كامل قبل بدء الحرب.

كان ترامب يحتاج إلى تفاهم واضح مع بكين حول مستقبل طهران، وحدود الدعم المسموح به، وسقف بقاء النظام الإيراني أو ازالته. قبل أن تبدأ الطائرات بالقصف.

لكن الذي حدث هو العكس تماما.

فبينما كانت واشنطن تراهن على صدمة عسكرية خاطفة تُربك النظام الإيراني وتؤدي إلى انهيار سريع، كانت الصين تتحرك بهدوء في العمق.

بكين لم تدخل الحرب علنا، ولم ترفع شعارات التحدي، لكنها أيضا لم تسمح بسقوط إيران بالسرعة التي أرادتها واشنطن.

المعلومات المتداولة داخل دوائر الصراع تشير إلى أن الصين لعبت دورا بالغ الأهمية في مساعدة طهران على فهم طبيعة التحركات الأميركية والإسرائيلية قبل وقوعها، عبر دعم استخباري وتقني غير مباشر ساهم في تقليل أثر الضربات ومنع تحقيق عنصر المفاجأة الكامل.

وهنا تحديدا تعطّل مشروع “النصر السريع والحاسم ” .

فالولايات المتحدة كانت تعتقد أن إيران ستجد نفسها معزولة بالكامل، لكن بكين لم تمنح واشنطن هذا الانتصار المجاني.

الصين تدرك أن سقوط إيران بطريقة دراماتيكية وسريعة يعني تمدد النفوذ الأميركي بصورة أكبر في الشرق الأوسط، وهو أمر لا يخدم المصالح الصينية الاستراتيجية.

ومع ذلك، فإن الموقف الصيني لم يكن تفويضا مفتوحا لطهران أيضا.

بكين أوضحت بصرامة أن هناك خطوطا حمراء لا يمكن تجاوزها:

لا سلاح نووي إيراني.

ولا إغلاق لمضيق هرمز.

ولا تهديد دائم لشرايين التجارة والطاقة العالمية.

وهذا يكشف طبيعة العلاقة الحقيقية بين الصين وإيران .

هي ليست علاقة تحالف عقائدي أو التزام مصيري، بل علاقة مصالح باردة ومحكومة بحسابات دقيقة.

الصين تريد بقاء إيران بما يمنع الهيمنة الأميركية الكاملة على المنطقة، لكنها لا تريد إيران نووية، ولا إيران منفلتة، ولا إيران تدفع العالم إلى فوضى اقتصادية كبرى.

وهذا الموقف الصيني لم يكن نتيجة زيارة ترامب لها بل هو موقف دولة عظمى، وواهم من يعتقد ان ترامب انتزع ذلك الموقف منها . الصين استطاعت ان تجلب ترامب لها وقد خاطبته بعقلية التاجر وليس القائد السياسي العظيم فاسمعته ماتريد نحن شركاء في هذا العالم وذكرته 

“بفخ ثوسيديديس” . النظرية التي تقول إن صعود قوة جديدة يزرع الرعب داخل القوة المهيمنة، فيصبح الصدام بينهما أقرب إلى الحتمية التاريخية. وهكذا انتهت بموقف صيني حاسم بخصوص مصالحها وقضية تايوان علما ان إيران ونظامها السياسي لم يشكل مشكله للصين اطلاقا أمام تقاسم النفوذ حول العالم. الأمر الذي سينعكس سلبا على طهران بالمنازلة القادمة معها  

وهنا أدرك ترامب ـ متأخرا ـ أن الطريق إلى حسم الملف الإيراني لا يمر عبر القاذفات فقط، بل عبر بكين أولا.

لأن إسقاط أو إخضاع دولة بحجم إيران لا يتحقق بالقوة العسكرية وحدها، بل بعزلها استراتيجيا، وتجريدها من المظلة الدولية التي تمنحها القدرة على الصمود والمناورة.

وفي عالم القوى الكبرى، لا توجد صداقات دائمة، بل مصالح دائمة.

والصين، مهما اقتربت من طهران، لن تضحي باقتصادها العملاق واستقرار تجارتها العالمية من أجل مشروع أيديولوجي إيراني، لكنها في الوقت نفسه لن تسمح بسهولة بأن يتحول سقوط إيران إلى انتصار أميركي كاسح يعيد تشكيل الشرق الأوةسط بالكامل وفق الرؤية الأميركية وحدها.

التعليقات معطلة.