فى النفس البشرية قاعاتٌ كبرَى وكهوف ودهاليزُ لا تهدمها الزلازل الفجائية؛ بل تنحتها برودة الأيام والسنوات، وتصهرها الآلام أو الشعور بالظلم؛ فكل الأشياء العظيمة التى نظنها أبدية، وكل الروابط التى نحسبها أُسِّستْ على صخرة الاستمرارية، لتَظَل معنا طيلة الحياة، إنما هى فى حقيقتها كائنات حيَّة رقيقة، تتغذَّى على قِيَم الحُب والاحترام والعطاءات، وتتنفس فى فضاء التقدير، والابتعاد عن الأنانية، وتذبُل شيئًا فشيئًا حين تُقابَل بسوء المعامَلة وجفاف المشاعر. فالإنسان بطبيعته يلتقط مشاعرَ مَن حوله، ويمتلك رادارًا داخليًّا دقيقًا، يقيس به مسافة الأمان الوجداني؛ وحين يكتشِف أنه يُستنزَف، أو أن وجودَه يُقابَل بالاستخفاف، أو تعمُّد الأذى الموجَّه إليه، تبدأ روحه فى الانكماش الهادئ، ويمد المسافاتِ بينه وبين الآخَر؛ لينتصر فيها لكرامته وإنسانيته، ويطوِّع ذاتَه على الانسحاب من ساحة المعركة، محمَّلًا بخساراته الداخلية الصاخبة، التى تزلزِل كيانه، يبتعد ليتحرَّى الحفاظ على ماء وجْهه؛ لتقبُّل خسارة أبدية لا رجْعة فيها.
١ــ حتى «الأمومة» – أعظم العواطف وأنقاها – تتوارَى يتشكَّل حُب الأم لوليدها – فى العُرف البشرى – كأنه القانون الأبديُّ، الذى لا يستثنى شيئًا، فهو الملاذ الأخير، والنبع الذى لا ينضَب من التضحية المطْلقة. غير أن هذا الحُب الأطهرَ، على عظمته وسموِّه، ليس بمعزل عن قانون الروح الكونى. يحدث أن ينكمش ويذبُل حين تُقابَل الأم بالجحود والإهانة، وحين يشعر قلبها بأن عطاءها يُستغَل بلا تقدير، ودون احترام لكرامتها وما تبذُل. لا يُصاب حُب الأم بالسكتة فجأة؛ بل يتسلل إليه الصقيع تدريجيًّا؛ فحين تتكرر خيبات الأمل، وتتحول رعاية الابن أو البنت إلى مصْدر للألم النفسى والامتهان؛ تتراجع تلك العاطفة الجارفة، ويحِل الصمت والانكفاء.
إن عظمة الأمومة أو الأبوَّة لا تعنى أبدًا أن ينحَر الأم أو الأبُ كرامتَهما على مذبح الأبوَّة أو البنوَّة العاقة؛ فحين يُهمِل الإنسان مشاعرَ مَن منَحاه الحياة؛ فإنه لا يكسر قلبهما فحسب؛ بل يطفئ شيئًا فشيئًا تلك الشمعةَ المتفانية، التى كانت تضيء له عتمة الدَّرب.
فى إحدى السرديات التى صدَرت فى أمريكا عام ٢٠٠٣، وتُرجمت إلى العربية، بعنوان «نريد أن نتحدث عن كيفين» للكاتبة: ليونيل شرايفر، أمريكية الجنسية، تدور أحداث المأساة، حوْل أمٍّ تعانى من علاقة معقَّدة ومضطربة مع ابنها «كيفين»، منذ مراحل طفولته الأولى، حيث تلاحِظ عليه سلوكياتٍ عدوانيةً ومضللة، تدلُّ على نزْعة إجرامية، وإيذاء لمَن حوله ولنفسه، وسط تجاهل وتكذيب من الأب. لتتصاعد الأحداث وتوثِّق لصراع الأم الداخلى، وقلقِها المستمر، من خطورة ابنها على المجتمع، إلى أن يرتكب جريمة مروِّعة فى إحدى المدارس.
يحاوِل هذا النَّصُّ القول بأن ما يبدو مقدَّسًا، مثل حُب الأم، والذى لا يقارَن بأيِّ حُبٍّ آخَرَ، هذه الرابطة الأبدية بإمكانها أن تتغيَّر مع القسوة والعنف، وتُعَد مثل هذه النصوص الروائية – الصادمة لما اعتادته المجتمعات البشرية – قليلة، بل نادرة؛ لأن لقلب الأم قدرة فائقة على التجدُّد، والتماس الأعذار، لكنها حتمية وجود الشَّر البشرى.
٢ــ أعظم قصص العشق تنتهى.. تنزوى فى الأيام.
أما فى دائرة الهوَى والعشق، تبدو الحكاية أكثر هشاشة وأسرع ذبولًا. فالعشق ليس صَكًّا يمكننا امتلاكه، أو ضمانه بصورة أبدية؛ بل أقرب إلى المرآة المتبادَلة، تلك التى تتغذَّى على الانتباه واللهفة، والشعور بالقُرب والاهتمام. وحين يعتاد أحد الطرفَين على تجاهُل الآخَر، أو يتعامَل معه كحقيقة ثابتة، لا تحتاج إلى جهْد، ولا سقاية مستمرة، وصيانات من مرارات الحياة بأحداثها؛ فإن الروح المنجذِبة تبدأ فى رحلة الانسحاب الصامت، والتقوقع على ذاتها، مهما بلَغت درجة عشْقها. فالتجاهُل هو الموت البطىء لكل ارتباط جميل.
تصبح الأيام برَّاقة وممتعة حين تهدى قلوبنا الغرام، لكن حين ينطفئ الشغف؛ لا تنفع بعدها خطاباتُ الندم، ولا دموع الاعتذار؛ لأن الإنسان قد يحتمل العواصف، وقْتها يجِدُ لحبيبه الأعذارَ، ولكنه لا يستطيع العيش طويلًا فى صحراء التجافى العاطفى. كما أن الحُب الحقيقيَّ يتطلب يقظة دائمة، ومُراعاة دقيقة للرهَافة، والمشاعِر العميقة، التى لا تُقال أحيانًا، فإذا تحوَّل الطرف الآخَرُ إلى مجرَّد هامشٍ فى اهتمامات المحِب؛ انزوَت أجمل العواطف، وهبطت من قِمة عرْش السماء إلى منتهَى الوجع، ثم إلى قاع الإنسان السحيقة، التى تتسرَّب إليها شوائب الحياة.
وتبقى أجمل سرديات الحُب، التى بقيت فى ذاكرة الإنسانية، تلك التى لم يكمِل طرفَاها الحياة معًا. نعم نُحِب؛ لكن لا شيء يستمر إلى الأبد، فتلك أحلامنا التى نبدأ بها القصص، التى قد ينتهى بعضُها بالكراهية والنفور.
٣ــ تسقط الشرعية حين لا تتحقق طموحات الشعوب وعلى المستوى الأوسع، حيث تتشابَك مصائر الملايين، يصدُق ذات القانون على علاقة الشعوب بالحكام. فالولاء السياسى والتسليم للسُّلطة ليس طاعة عمياء أبدية؛ بل هو تعاقُد ضمْنى دقيق، محكوم بالعدالة، وتحقيق طموحات الأمَّة، وتطلُّعاتها المشروعة. فمهما بلغت محبَّة الشعوب لقادتها، ومهما دغدغت الوجدانَ الجمعيَّ، واستطاعت أن توقِظ بداخله الكرامة والعِزة؛ فإنها تنكمِش وتتآكَل حين تتجاهَل السُّلطة هموم الإنسان البسيط، وتعمل فقط على تغذية زعامتها، وإظهارها للمَشهد المحلِّى والإقليمى والعالمى، تتغيَّر أيضًا حين تتعامل مع مقدِّرات الأوطان باستخفاف وغطرسة، فلن ينسى المصريون نتائج حرب اليمن ولا نكسة ١٩٦٧، الشعارات ضباب كثيفٌ لا يلبث أن ينكشف حين تواجِهه مقوِّمات الواقع، وسُلطة إمكاناته الموضوعية.
التاريخ البشريُّ شاهِدٌ حيٌّ على أن الشعوب تصبر طويلًا، لكنها إذا شعرت بأن تضحياتِها تذهب هباءً، وبأن كرامتها تُهدَر على عتبات الانفراد بالرأى أو سوء الإدارة، أو تبديد مقوِّمات اقتصادها؛ فإنها تسحب شرعيتها وتتململ، ثم تثور. وحين تنكسر هذه الثقة؛ لا تنفع القوانين الصارمة ولا الخُطب الرنَّانة فى ترميم ما أفسَده الجفاء السياسيُّ، وغياب الرؤية؛ فبقاء الأنظمة واستقرارها مرهونٌ برعاية الإنسان وتنمية إمكاناته، وصَون كرامته، لا بمجرد فرْض الولاء بالقوة والترهيب. تحتاج الشعوب أن تشعر بالأمان فى المستقبل، ولا يتحقق هذا إلا ببناء جيد للإنسان، وتوافُر منظومة تعليمية جيدة ومتطوِّرة، لضمان درجة عالية من الوعى والثقافة، والشعور بمردود التنمية من المشروعات التى تقف من خلْفها القيادة والدولة بكل مقوِّماتها. الوطن حاضنة كُبرى للإنسان، إذا امتلأ بالمصاعِب، وافتقر للأمان، وشَعَر الفرد فيه بالعوَز، وامتهان الكرامة والقَيد؛ أصبح كيانًا طاردًا لمواطنيه.
الوجود الإنسانيُّ برُمَّته – بكل ما يضُمه من عواطفَ، وأواصرَ طبيعيةٍ، وعقود اجتماعية – محكوم بحقيقة ساطعة: لا شيء يستمر تلقائيًّا. فكل ما هو جميل وثمين فى هذه الحياة بحاجة إلى البذل المستمِر كشرْط للبقاء، وسقاية يومية من الاهتمام، والاحترام، ومُراعاة المشاعر، والتقدير المتبادَل. فالاتكال على الأرصدة القديمة من الحُب أو الولاء وهْمٌ مدمِّر، فمَن لا يبذل الجهد المتجدِّد للحفاظ على ما يحب ويحتاج، كمن يترك أرضَه بلا ماء ولا تنقية من الحشائش الضارة.
وحدها الأفعال الواعية، والذكاء الاجتماعى، والتقدير الصادق، والالتزام الإنسانيُّ العميق بالسعى لإنجاح العلاقات، وتطوير القِيَم والمعانى، التى نشعُر بها، وحدهم هُم من يُبقُون الأشياء العظيمةَ حيَّةً ومزهِرةً، فى عالم لا يرحَم المهمِلين، ولا المزيَّفين، ولا الكارهين، ولا يعترف بالأشياء التى تُترَك لتذبُل بمفردها.

