مقالات

كيف تحاول فرنسا حتى الآن تجريم الثورة الجزائرية!

عبد القادر بن مسعود

في 27 من سبتمبر( أيلول) الماضي نشر البرلمان الفرنسي على موقعه الرسمي مقترح قانون يتعلق بـ«الاعتراف بجرائم جزائرية ضد المواطنين الفرنسيين في مدينة وهران بتاريخ الخامس من يوليو (تموز) 1962 »، تم إيداعه من طرف «ثمانية نواب» من البرلمان الفرنسي، رأوا في هذا التاريخ يومًا أسود في تاريخ بلادهم، وهو التاريخ الذي شهد الاستقلال الرسمي للجزائر، وتضمن مقترح القانون بنودًا تطالب فرنسا بتجريم وإدانة المقاومة الجزائرية المتمثلة بحزب جبهة التحرير الجزائرية وذلك – حسبهم – بتهمة ارتكاب جرائم ضد الإنسانية، ضد المواطنين الفرنسيين، والأقدام السوداء، في مدينة وهران الجزائرية، وكان البرلمان الفرنسي قد أقرّ في وقت سابق قانونًا لتمجيد «الاستعمار» من خلال اعتبار يوم 25 من سبتمبر (ايلول) من كلّ سنة في فرنسا يومًا وطنيًّا للحركي، نسلط الضوء أكثر في هذا التقرير على المحاولات الفرنسية لتجريم اللثورة الجزائرية

ماذا جرى في وهران في 5 يوليو 1962

في ظهر يوم الحرية بالجزائر يوم الخامس من يوليو (تموز) عام 1962، يقول المؤرخ والدكتور«صادق بن قادة» الباحث بمركز البحث في الإنثروبولوجيا الاجتماعية والثقافية «الكراسك» أنّه بينما كانت قوات جيش التحرير الوطني تهمُّ إلى استلام الحكم في البلاد بعد إعلان الاستقلال، حتى تعرضت دوريةٌ للجيش الجزائري لاطلاق نارٍ من طرف منظمة «الجيش السري» الفرنسية التي اتخذت من مدينة وهران غربي العاصمة الجزائر مركزًا لعملياتها ضد الجزائرين والفرنسيين على حدٍ سواء؛ نظرًا لاحتواء مدينة وهران على جاليةٍ أوروبيةٍ معتبرة، وفي محاولة لتوريط جيش التحرير الجزائري، لتتوجه بعدها نيران منظمة الجيش السري الفرنسية إلى الجالية الأوروبية لتصبح لا تفرق بين الجزائري والأوروبي، وتشهد المدينة أعمال عنفٍ كبيرة، سقط في تلك الأحداث مئات القتلى، من بينهم ما بين 70 إلى 100 فرنسي، بحسب الرواية السائدة الجزائرية.

وعمدت بعدها الأقدام السوداء من الجزائريين الذين كانوا عملاء للمستعمر الفرنسي على تشويه الثورة الجزائرية، باتهام جبهة التحرير الجزائرية بارتكاب هذه المجزرة، ويقول الدكتور «فؤاد سوفي» الباحث في تاريخ الحركة الوطنية وحرب التحرير، بأن «ما سُمي «إبادة جماعية» في أحداث وهران، محاولةٌ يائسةٌ لجماعةٍ صغيرةٍ من الأقدام السوداء المنحدرين من وهران تحديدًا، يحاولون من خلالها إظهار أنفسهم للعالم بأنهم عانوا في يومٍ واحدٍ أكثر مما عاناه الجزائريون طيلة 132 سنة من الاستعمار»، ويضيف «سوفي» أنّه من وجهة نظر تاريخية وبناءً على التحقيقات التاريخية التي أنجزها بداية التسعينات، «لا يوجد أمرٌ صادرٌ من قبل قادة جيش التحرير الوطني، لارتكاب مثل هذه المجازر» وقال «على عكس ما يروج له الأقدام السوداء، لم يكن هناك أمر بالقتل من طرف جيش التحرير الوطني، بل عكس ذلك تمامًا، فجيش التحرير الوطني ساهم في حمايتهم وقلم بوضعهم في فنادق ومواقع محروسة وحمايتهم من بطش وجنون عناصر منظمة الجيش السري الفرنسي».

من جهته فنّد المؤرخ الجزائري «عمار محمد عمر» صاحب مذكرة دكتوراه حول «أحداث صائفة 1962»، ما يروّج له الأقدام السوداء بالجزائر بوقوع «إبادة جماعية» بوهران بأمرٍ من قادة جبهة التحرير الوطني، وقال إن هذا أمر غير واردٍ على الإطلاق. وأضاف «إن انحصار الأحداث في وهران وعدم تعميمها على باقي مناطق الوطن، بسبب استمرار مجازر منظمة الجيش السري في هذه المدينة دون سواها، ورفضها اتفاقية إيفيان الموقعة بين فرنسا وجبهة التحرير في الجزائر ابتداء من 17 مارس (آذار) 1962».

اقرأ أيضًا: «الأقدام السوداء».. إرثٌ مسموم بين فرنسا والجزائر

برلمانيون فرنسيون يطالبون باعتماد رواية الأقدام السوداء

أقدم «ثمانية» نواب فرنسيين بتقديم مشروع قانون للبرلمان الفرنسي يدين الثورة التحريرية بارتكاب ما أسموها بـ«مجازر شنيعة» في حقّ المواطنين الفرنسيين المتواجدين في مدينة وهران يوم الخامس من يوليو (تموز) 1962، مطالبين الدولة الفرنسية بالاعتراف بهذه «المجازر الشنيعة»، وفي تفاصيل القانون المقترح، وجاءت صياغة القانون في مادة واحدة، وحسب ما جاء في عرض أسباب مقترح القانون، أن هذا اليوم الذي يمثل الإعلام الرسمي للاستقلال بالجزائر هو «يومٌ تراجيدي بالنسبة للفرنسيين المتواجدين بالجزائر وقتها»، وقال النواب الفرنسيين في وصف أسباب مقترحهم: إنه في تلك الحقبة كان يتواجد بمدينة وهران حوالي 100 ألف فرنسي.

البرلمان الفرنسي

واتهم البرلمانيون الفرنسيون «جبهة التحرير الجزائرية» بارتكاب المجازر ضد الإنسانية في حق هؤلاء الفرنسيين، ابتداءًا من تاريخ وقف إطلاق النار الذي وقّع في «اتفاقيات إيفيان» ودخل حيز التنفيذ بتاريخ 18 مارس (آذار) 1962 من خلال ارتكاب مجازر في حق الأقدام السوداء «الحركى» المتخلى عنهم من طرف فرنسا، ودعا البرلمان الفرنسي متمثلًا في أصحاب هذا المشروع الحكومة الفرنسية إلى ضرورة الاعتراف بما أسموه «المجازر» المرتكبة في حق «فرنسيي الجزائر»، وأنه يتوجب على الحكومة الفرنسية «حماية الذاكرة الجماعية »، وكانت مجموعة أخرى من البرلمان قد أودعت مقترح قانون بخصوص تمجيد الأقدام السوداء من الحركى وعائلاتهم، وتمكينهم من التعويض المادي والمعنوي من طرف الحكومة الفرنسية.

إقرأ أيضًا: أشياء قد لا تعرفها عن الثورة الجزائرية

10 ملايين قتيل جزائري وفرنسا تمجد تاريخها في الجزائر

طيلة 132 سنة من استعمارها للجزائر ارتكبت فرنسا آلاف المجازر في حق الجزائريين في محاولة منها لاستعباد الشعب واستعمار الأرض، في استيراد لمحنة الهنود الحمر، إذ عرفت الحرب في الجزائر ما يوصف بالإبادة، راح ضحيتها حسب الإحصاءات أكثر من «10 ملايين جزائري»، سقط مليون ونصف مليون منهم فقط في فترة الثورة التحريرية، وللتغطية على هذه الجرائم حاولت فرنسا مرارًا التهرب من مسؤوليتها عن الجرائم التي ارتكبتها في الجزائر.

وذلك عبر تلميع صورتها المأساوية عبر سنّ قانون «تمجيد الاستعمار»، وقد أقرت يوم 23 فبراير (شباط) 2005 قانونًا لتمجيد الاستعمار، اعتبرت فيه أفعالها في الجزائر بالإيجابية، وتضمن القانون في المادة الرابعة أن تتضمن البرامج الدراسية، وبالأخص في جانبها التاريخي الإشادة بالدور الإيجابي الذي لعبه الحضور الفرنسي في ما وراء البحار، وبخاصة في شمال إفريقيا، وكرد فعل من الجزائر على هذا التصعيد الفرنسي، رفض الرئيس الجزائري «عبد العزيز بوتفليقة» في أحد المحافل الدولية التوقيع على «معاهدة الصداقة» مع فرنسا بسبب هذا القانون، موضحًا أن القانون يهدف لتزييف الحقائق التاريخية، وإنكار الجرائم الشنعاء للمستعمر الفرنسي في القرن الماضي.

اقرأ أيضًا: 5 قوانين تكشف وجه الاستعمار الفرنسي للجزائر

الجزائر تفشل في الرد.. «اتفاقية إيفيان» تمنع تمرير قانون تجريم فرنسا!

بقي البرلمان الجزائري عاجزًا تمامًاعن رد الفعل إزاء المحاولات الفرنسية لتشويه الثورة الجزائرية، فبالرغم من تكاتف 120 نائب جزائري للوصول بمشروع قانون «تجريم الاستعمار» إلى مرحلته النهائية التي تضمنت تشكيل محكمة جنائية تتولى محاكمة فرنسا عن الحقبة الاستعمارية، ووقّع على مقترح القانون، 154 نائب برلماني من كل التيارات السياسية، في سابقة هي الأولى من نوعها على مستوى البرلمان الجزائري منذ تأسيسه، إلا أن مشروع القانون لم يعرف طريقه للتصويت في البرلمان، وتوقف مساره عند طاولة اجتماع الحكومة التي كان يرأسها آنذاك الوزير الأول الحالي«أحمد أويحي».

لكن المفاجأة التي فجّرها رئيس البرلمان العزيز زياري» بأن قال إن مقترح قانون تجريم الاستعمار لم يجدول في قائمة القوانين أصلًا، طرح العديد من الاستفهامات لدى الجزائريين، الذي عجزت بلادهم حتى في الردّ على الخطوة الفرنسية في تمجيد فترة استعمارها للجزائر، وأضاف زياري، في سلسلة اعترافاته، أنه كان هناك «تنسيق بين إدارة المجلس والحكومة من أجل دراسة القانون، إلّا أن الحكومة رأت أن الوقت غير مناسب لتمرير مقترح قانون تجريم الاستعمار»، مضيفًا أن «هذا الأمر يتعلق بالسياسة الخارجية وهي من صميم صلاحيات رئيس الجمهورية، وداعيًّا المطالبين بتفعيل المقترح بطرح مبادرة جديدة».

من جهته أكّد «محمد حديبي» المكلف بالإعلام في حركة النهضة الجزائرية والذي تكفّل بصياغة مشروع القانون، أن «فرنسا كانت وراء توقيف المقترح»، معللًا ذلك بالزيارات المفاجئة والمتعاقبة للساسة الفرنسيين من أعضاء الحكومة، والأمانة العامة للرئاسة الفرنسية، ووزير الخارجية الفرنسية آنذاك، «كوشنير»، الذي قال: إنّه «تلقى تطمينات إيجابية من الجزائر بأن هذا القانون لن يتم تمريره»، وكشف حديبي عن فحوى رسالة سرية لقناة CNN عربية، بعث بها رئيس الحكومة الحالي «أحمد أويحي» إلى رئيس البرلمان آنذاك «عبد العزيز زياري»، يوضح فيها رفض الحكومة المقترح، بمسوغ أن الأمر «يتعلق بصلاحيات رئيس الجمهورية، وليس من صلاحيات النواب، وكذلك له علاقة باتفاقية «إيفيان» التي تنص على عدم الدعوة إلى تجريم الاستعمار، وأيضًا أن القانون لا يسمح برفع دعوى قضائية ضد الدول».

مظاهرة للأقدام السوداء مناهضة لذكرى وقف اطلاق النار بالجزائر

وكان الرئيس التركي رجب طيّب أردوغان اتهم فرنسا بارتكاب جرائم إبادة في الجزائر، وقال أردوغان خلال مؤتمر إن نسبة الجزائريين الذين تم اغتيالهم من قبل الفرنسيين بداية من 1945 تقدر بـ15% من سكان الجزائر، وكان الردّ الرسمي الجزائري على اتهام أردوغان لفرنسا بأن دعا الوزير الأول أحمد أويحيى الرئيس التركي أردوغان بالكفّ عن المتاجرة بدماء الشهداء الجزائريين، في تصريحات شهدت غضبًا واسعًا بين قطاع من الجزائريين من وزيرهم الأوّل.