5 حزيران يوم النكسة… فبماذا نسمي سقوط بغداد؟

3

 

 

في الوعي العربي المعاصر، ارتبط الخامس من حزيران بمصطلح “النكسة” . لم يكن الاسم مجرد توصيف لهزيمة عسكرية، بل محاولة لتخفيف وقع صدمة تاريخية هزّت وجدان أمة كاملة. كانت الجيوش قد هُزمت، والأرض قد احتُلّت، والمشروع القومي العربي قد تلقى ضربة قاسية، لكن الدولة بقيت قائمة، والمجتمعات بقيت متماسكة، والأمل بقي حياً في إمكانية النهوض من جديد.

لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو: إذا كانت هزيمة حزيران نكسة، فبماذا يمكن أن نصف ما جرى لبغداد؟

هل كان مجرد سقوط نظام سياسي؟

أم كان بداية انهيار دولة بكل ما تحمله الكلمة من معنى؟

في التاسع من نيسان ٢٠٠٣ لم تسقط حكومة فحسب، بل سقطت منظومة الدولة العراقية بأكملها. انهارت المؤسسات، وتفككت الأجهزة، وتراجع مفهوم السلطة المركزية، وانفتح الباب أمام واحدة من أعقد مراحل الفوضى السياسية والأمنية والاجتماعية في تاريخ العراق الحديث.

لقد شهدت بغداد عبر تاريخها الطويل غزوات واحتلالات وحروباً كثيرة، لكنها كانت في كل مرة تنهض من تحت الركام لتستعيد مكانتها ودورها. أما ما جرى بعد عام ٢٠٠٣ فلم يكن مجرد انتقال للسلطة أو تغيير لنظام الحكم، بل تحولاً جذرياً أصاب بنية الدولة نفسها، وأعاد تشكيل التوازنات السياسية والاجتماعية والاقتصادية بصورة ما زالت آثارها حاضرة حتى اليوم.

ومن هنا يبدو وصف “النكسة” أقل بكثير من حجم الحدث.

فالنكسة تعني خسارة معركة.

أما ما حدث للعراق فكان خسارة دولة.

النكسة تعني تراجعاً يمكن تعويضه في ميدان القتال أو على طاولة السياسة.

أما ما جرى في بغداد فكان تفكيكاً لمؤسسات الدولة، وإعادة بناء المشهد العراقي على أسس جديدة ما زال العراقيون يدفعون ثمنها حتى الآن.

لقد دخل العراق بعد ذلك التاريخ في دوامة لم تقتصر على الاحتلال أو الصراع السياسي، بل امتدت إلى إعادة تعريف العلاقة بين الدولة والمجتمع، وبين المواطن والسلطة، وبين الهوية الوطنية والانتماءات الفرعية.

وفي خضم هذه التحولات، ضاع السؤال الأهم: كيف يمكن إعادة بناء الدولة؟

انشغل الجميع بتقاسم السلطة وتوزيع النفوذ وإدارة الأزمات اليومية، بينما كانت فكرة الدولة العراقية تتراجع خطوة بعد أخرى.

ولعل أخطر ما في الأمر أن الجدل ظل محصوراً لعقود بين مؤيد لسقوط النظام ومعارض له، بينما بقيت قضية الدولة نفسها خارج دائرة النقاش الجدي.

فالدول لا تُقاس بالحكومات التي تتعاقب عليها، بل بقدرتها على الحفاظ على مؤسساتها ووحدتها الوطنية واحتكارها للقرار والسيادة.

ولهذا فإن استحضار ذكرى الخامس من حزيران لا ينبغي أن يقودنا فقط إلى التفكير بما خسره العرب عام ١٩٦٧، بل أيضاً بما خسره العراق بعد ٢٠٠٣.

وهنا تكمن المفارقة المؤلمة.

ففي الخامس من حزيران خسر العرب حرباً.

أما في التاسع من نيسان، فخسر العراق دولة.

وربما لهذا السبب ما زالت آثار الحدث العراقي أكثر حضوراً في الحياة اليومية للعراقيين من آثار هزيمة حزيران نفسها.

فالهزائم العسكرية قد تُعالج بإعادة بناء الجيوش.

أما انهيار الدولة فلا يُعالج إلا بإعادة بناء العقد الوطني كله.

وإذا كانت الأجيال العربية ما زالت تتذكر الخامس من حزيران بوصفه يوم النكسة، فإن العراقيين ما زالوا يبحثون عن الاسم الذي يليق باليوم الذي لم يسقط فيه نظام فحسب، بل سقطت معه الدولة، وتكسرت الهوية الوطنية، وبدأت رحلة طويلة لم تنتهِ بعد في البحث عن عراقٍ يشبه العراقيين.

فالتاريخ لا يقاس بعدد السنوات التي تمر، بل بعدد الأسئلة التي تبقى بلا إجابة.

ولعل السؤال الذي ما زال ينتظر العراقيون الإجابة عنه ليس ماذا نسمي ما جرى في بغداد، بل متى ينجح العراق في استعادة الدولة التي فقدها؟

فعندما تستعاد الدولة، يتحول الألم إلى درس، وتتحول الذكرى إلى بداية جديدة.

أما قبل ذلك، فسيبقى سقوط بغداد جرحاً مفتوحاً في الذاكرة العراقية، يتجاوز في معناه حدود النكسة، لأنه كان لحظة فقدان الدولة نفسها.

التعليقات معطلة.