كيف تضرب حرب إيران الاقتصاد المصري؟

3

الدولار والسياحة وقناة السويس والطاقة أمام اختبار جديد مع اشتعال التوترات الإقليمية مرة أخرى بينما يبقى صمود الاستقرار المالي مرهوناً بسرعة احتواء الأزمة
محمود الجمل صحافي
تشير تقديرات مراكز بحثية إلى أن الحرب كلفت مصر مليارات الدولارات من إيرادات السياحة وخروج استثمارات قصيرة الأجل (اندبندنت عربية)
ملخص
تفرض الحرب في إيران ضغوطاً على الاقتصاد المصري عبر الدولار والسياحة والطاقة وقناة السويس، لكن مرونة الإصلاحات والاحتياطات قد تحد من التداعيات إذا احتويت الأزمة سريعاً.
لم تكن مصر طرفاً مباشراً في الحرب الدائرة بين الولايات المتحدة وإيران، لكنها تكاد تكون من أكثر الاقتصادات الإقليمية تعرضاً لتداعياتها غير المباشرة.
فكل تصعيد عسكري في الخليج ينعكس سريعاً على أسعار النفط وحركة الملاحة وتدفقات رؤوس الأموال وأسواق العملات، وهي جميعها عناصر شديدة الحساسية بالنسبة إلى الاقتصاد المصري.
وعلى رغم أن الاقتصاد المصري أظهر قدراً من الصمود خلال الأشهر الماضية، مدعوماً ببرنامج الإصلاح الاقتصادي واتفاقه مع صندوق النقد الدولي، فإن تجدد المواجهات في الخليج يفتح الباب أمام موجة جديدة من الضغوط قد تطاول سعر صرف الجنيه، ومعدلات التضخم، وإيرادات قناة السويس، وقطاع السياحة، وفاتورة استيراد الطاقة.
وفي المقابل، لا تزال المؤسسات الدولية ترى أن الاقتصاد المصري يمتلك قدرة أفضل على امتصاص الصدمات مقارنة بالأعوام السابقة، وإن كانت تتوقع أن يصبح تأثير الحرب أكثر وضوحاً خلال العام المالي المقبل.
الدولار… الحلقة الأكثر حساسية
تاريخياً، كانت الحروب الإقليمية تدفع المستثمرين إلى الخروج من الأسواق الناشئة واللجوء إلى الدولار باعتباره ملاذاً آمناً، وهو ما يفرض ضغوطاً على العملات المحلية.
وفي الحال المصرية، يكتسب هذا العامل أهمية مضاعفة، لأن الاقتصاد يعتمد على تدفقات النقد الأجنبي من السياحة وقناة السويس والاستثمارات الأجنبية، وتحويلات المصريين بالخارج.
ومع بداية الحرب خرجت بالفعل استثمارات أجنبية قصيرة الأجل من السوق المصرية، وتعرض الجنيه لضغوط ملحوظة، قبل أن تستعيد الأسواق جزءاً من توازنها عقب إجراءات البنك المركزي والحكومة.
وتشير تقديرات مراكز بحثية إلى أن الحرب كلفت مصر مليارات الدولارات من إيرادات السياحة، إضافة إلى خروج استثمارات قصيرة الأجل تجاوزت 10 مليارات دولار في الأيام الأولى للأزمة.
لكن الخطر الأكبر لا يتعلق بما حدث بالفعل، وإنما بما قد يحدث إذا طال أمد المواجهات، لأن استمرار ارتفاع أسعار النفط وزيادة فاتورة الواردات سيؤديان إلى زيادة الطلب على الدولار، في وقت تتراجع بعض مصادر العملة الأجنبية.
السياحة… أول مصادر الدولار تأثراً
إذا كان سوق الصرف هو المرآة التي تعكس الضغوط الاقتصادية، فإن السياحة غالباً ما تكون أول القطاعات التي تدفع ثمن أي توتر جيوسياسي في الشرق الأوسط، حتى وإن كانت الدولة المستهدفة بعيدة من ساحات القتال.
وتشير التجارب السابقة، منذ أحداث الـ11 من سبتمبر )أيلول) 2001 مروراً بالربيع العربي، ثم الحرب الروسية – الأوكرانية، وأخيراً حرب غزة، إلى أن السائح الأوروبي والأميركي يتعامل مع المنطقة باعتبارها وجهة واحدة من حيث الأخطار الأمنية، وهو ما يؤدي إلى تأجيل الحجوزات أو إلغائها بمجرد تصاعد التوترات.
وبالنسبة إلى مصر، يمثل ذلك تحدياً كبيراً، إذ أصبحت السياحة خلال الأعوام الأخيرة أحد أكبر مصادر النقد الأجنبي، بعدما تجاوزت إيراداتها مستويات قياسية خلال العام الماضي. إلا أن استمرار الحرب في إيران أو اتساعها يهدد بإبطاء هذا الزخم، خصوصاً في المقاصد السياحية المطلة على البحر الأحمر وسيناء.
وتشير تقديرات مؤسسات دولية إلى أن الحرب كلفت مصر بالفعل مليارات الدولارات من الإيرادات السياحية، مع إلغاء جزء من الحجوزات خلال ذروة التوترات.
________________________________________________________________________________________________720.png
ولا يقتصر التأثير على انخفاض أعداد السائحين، بل يمتد إلى ارتفاع كلفة التأمين على الرحلات الجوية، وزيادة كلفة تشغيل شركات الطيران، وهو ما ينعكس في النهاية على أسعار برامج السفر إلى المنطقة.
ويمثل قطاع السياحة أحد أكبر مصادر العملة الأجنبية لمصر، بعدما حقق إيرادات تجاوزت 15 مليار دولار خلال العام المالي الماضي، واستقبلت البلاد نحو 16 مليون سائح.
إلا أن التجارب السابقة تشير إلى أن التوترات الإقليمية تؤثر سريعاً في قرارات السفر، خصوصاً من الأسواق الأوروبية، حتى إذا لم تكن مصر طرفاً مباشراً في الصراع. ويؤدي أي تباطؤ في حركة السياحة إلى تقليص تدفقات النقد الأجنبي وزيادة الضغوط على ميزان المدفوعات.
قناة السويس… الخسارة الأكثر إيلاماً
لكن التأثير الأكثر مباشرة للحرب يتمثل في قناة السويس التي كانت قد بدأت تستعيد تدريجاً جزءاً من حركة الملاحة بعد التوصل إلى وقف إطلاق النار وإعادة فتح مضيق هرمز.
فخلال ذروة الحرب، أدى تعطل الملاحة في الخليج إلى اضطراب غير مسبوق في حركة ناقلات النفط، بينما فضلت شركات شحن كثيرة تأجيل رحلاتها أو تغيير مساراتها، وهو ما انعكس سلباً على إيرادات القناة.
وعلى رغم أن إعادة فتح المضيق سمحت بعودة جزء من الحركة التجارية، فإن تجدد المواجهات أعاد حال عدم اليقين إلى شركات النقل البحري، التي أصبحت أكثر حذراً في المرور عبر المنطقة.
ولا تقتصر المشكلة على انخفاض عدد السفن، بل تمتد إلى تراجع حجم التجارة العالمية نفسها إذا استمرت أسعار الطاقة مرتفعة، وهو ما يقلص الطلب على النقل البحري بصورة عامة.
ولهذا ينظر الاقتصاديون إلى قناة السويس باعتبارها إحدى أكثر القنوات حساسية تجاه أي صراع في الخليج، لأنها تتأثر مرتين، الأولى من خلال حركة ناقلات النفط، والثانية عبر التجارة العالمية بأكملها.
لذلك تبقى قناة السويس أكثر القطاعات المصرية حساسية لأي اضطراب في الخليج أو البحر الأحمر، إذ توضح بيانات البنك المركزي المصري أن إيرادات القناة تراجعت خلال العام المالي 2024-2025 إلى نحو 4 مليارات دولار، مقارنة مع نحو 10.3 مليار دولار في العام المالي السابق، أي بانخفاض يقترب من 61 في المئة نتيجة اضطرابات الملاحة، ومع أي تصعيد جديد في المنطقة، تظل احتمالات استمرار تحويل السفن إلى طريق رأس الرجاء الصالح قائمة، وهو ما يحد من سرعة تعافي أحد أهم مصادر النقد الأجنبي في مصر.
فاتورة الطاقة… ضغط جديد على الموازنة
تستورد مصر جانباً مهماً من حاجاتها من الوقود والغاز الطبيعي المسال، ولذلك فإن أي ارتفاع في أسعار النفط ينعكس سريعاً على فاتورة الواردات.
وتواجه مصر حساسية كبيرة تجاه أي ارتفاع في أسعار النفط العالمية، إذ بلغت قيمة واردات الوقود والزيوت المعدنية ومنتجات التقطير نحو 18.6 مليار دولار أميركي خلال عام 2024.
ويعني ذلك أن أي صعود مستدام للأسعار، أو اضطراب في الإمدادات عبر الخليج، ينعكس مباشرة على فاتورة الاستيراد، ويزيد الضغوط على احتياطات النقد الأجنبي والموازنة العامة، لا سيما بعد عودة مصر إلى استيراد الغاز الطبيعي المسال لتلبية حاجات محطات الكهرباء.
وخلال الأشهر الماضية، اضطرت الحكومة إلى إعادة ترتيب أولويات الإنفاق، ورفع أسعار بعض منتجات الطاقة تدريجاً، بهدف الحد من الضغوط على الموازنة، وهي الإجراءات التي اعتبرها صندوق النقد الدولي من العوامل التي ساعدت الاقتصاد المصري على احتواء آثار الحرب حتى الآن.
ومع استمرار ارتفاع أسعار النفط لفترة طويلة قد يفرض تحديات إضافية، أبرزها، زيادة كلفة استيراد الوقود والغاز، وارتفاع كلفة إنتاج الكهرباء وزيادة الضغوط على الموازنة العامة، وارتفاع كلفة النقل والإنتاج في مختلف القطاعات.
وفي حال استقرت أسعار النفط قرب مستويات مرتفعة لفترة ممتدة، فإن الحكومة قد تجد نفسها أمام خيارات صعبة، بين زيادة الدعم أو تمرير جزء من الزيادة إلى المستهلكين، وهو ما قد ينعكس على معدلات التضخم.
التضخم… التهديد الأكثر استمراراً
إذا كان الدولار يتأثر سريعاً بالتوترات الجيوسياسية، فإن التضخم هو الأثر الذي يبقى لفترة أطول. فكل زيادة في أسعار النفط تنعكس تدريجاً على كلفة النقل والكهرباء والإنتاج، ثم تنتقل إلى أسعار السلع الغذائية والاستهلاكية.
وعلى رغم أن الحكومة المصرية نجحت خلال العامين الماضيين في خفض وتيرة التضخم مقارنة بذروة الأزمة، فإن عودة الحرب رفعت من جديد المخاوف في شأن موجة تضخمية جديدة، خصوصاً مع ارتفاع أسعار الطاقة عالمياً وتراجع حركة التجارة في الخليج.
ويعتمد استقرار سعر صرف الجنيه بدرجة كبيرة على استمرار تدفقات العملة الأجنبية من السياحة وقناة السويس، وتحويلات المصريين في الخارج والاستثمارات الأجنبية.
وأي تراجع متزامن في هذه المصادر مع ارتفاع فاتورة الواردات النفطية يزيد الضغوط على سوق الصرف، وعلى رغم تحسن احتياطات النقد الأجنبي إلى مستويات تجاوزت 55 مليار دولار، فإن استمرار التوترات لفترة طويلة قد يرفع الطلب على الدولار ويزيد كلفة تمويل الواردات.
في غضون ذلك، تشير أحدث التقديرات إلى أن التضخم لا يزال مرتفعاً، وإن كان أقل من المستويات القياسية التي سجلها خلال الأزمة، بينما يتوقع محللون استمرار الضغوط السعرية خلال الأشهر المقبلة.
ويعني ذلك أن البنك المركزي المصري قد يجد نفسه مضطراً للإبقاء على أسعار الفائدة عند مستويات مرتفعة لفترة أطول، أو تأجيل أي خفوض كانت الأسواق تتوقعها، حفاظاً على جاذبية الجنيه واحتواء الضغوط التضخمية.
الدين العام… كلفة أعلى للتمويل
لا يقتصر أثر الحرب على الأسعار، بل يمتد أيضاً إلى كلفة الاقتراض، فعندما ترتفع أسعار الفائدة العالمية أو تزداد الأخطار الجيوسياسية، يطالب المستثمرون بعوائد أعلى مقابل شراء السندات الصادرة عن الأسواق الناشئة، وهو ما يزيد كلفة تمويل الموازنة.
وبالنسبة إلى مصر، التي تنفذ برنامجاً للإصلاح المالي وتعمل على خفض الدين تدريجاً، فإن استمرار الحرب لفترة طويلة قد يبطئ هذا المسار، ليس بسبب ضعف الاقتصاد المحلي، وإنما نتيجة ارتفاع كلفة التمويل العالمية.
ومع ذلك، يرى صندوق النقد الدولي أن الاقتصاد المصري أصبح أكثر قدرة على مواجهة الصدمات الخارجية مقارنة بالأعوام السابقة، بفضل مرونة سعر الصرف، وإصلاحات المالية العامة، وتحسن الاحتياطات الدولية، إضافة إلى استمرار برنامج الإصلاح الاقتصادي.
الاستثمار الأجنبي… بين الحذر والفرص
عادة ما تكون الأسواق الناشئة أول المتأثرين عندما ترتفع درجة الأخطار العالمية، إذ تتجه المحافظ الاستثمارية إلى الأصول الآمنة مثل الدولار والسندات الأميركية.
لكن الاستثمار الأجنبي المباشر يختلف عن الأموال الساخنة، إذ يعتمد بصورة أكبر على تقييم المستثمرين لآفاق الاقتصاد على المدى الطويل.
وفي هذا الجانب، لا تزال مصر تحتفظ بعوامل جذب مهمة، أبرزها السوق الكبيرة والمشروعات الصناعية وتوسع إنتاج الطاقة وبرنامج الطروحات الحكومية، وهو ما قد يخفف من أثر التوترات إذا لم تتحول الحرب إلى صراع طويل الأمد.
3 سيناريوهات للاقتصاد المصري
السيناريو الأول… احتواء الأزمة
إذا نجحت الجهود الدبلوماسية في إعادة تثبيت وقف إطلاق النار خلال الأسابيع المقبلة، فمن المرجح أن تتراجع أسعار النفط تدريجاً، وأن تستعيد حركة الملاحة في الخليج وقناة السويس نشاطها بصورة أكبر.
وفي هذه الحالة سيظل تأثير الحرب محدوداً، وقد يواصل الاقتصاد المصري تحقيق معدلات نمو جيدة مدعوماً بالإصلاحات والاستثمارات الجديدة، وهو ما يتوافق مع استمرار صندوق النقد الدولي في توقع نمو الاقتصاد المصري خلال العامين المقبلين على رغم خفض توقعاته للنمو العالمي.
السيناريو الثاني… استمرار التوتر
أما إذا استمرت المواجهات العسكرية المتقطعة، من دون تحولها إلى حرب شاملة، فمن المرجح أن تبقى أسعار النفط مرتفعة نسبياً، مع استمرار الضغوط على السياحة وقناة السويس وسوق الصرف.
وسيكون الاقتصاد المصري قادراً على التعامل مع هذا السيناريو، لكن بكلفة أعلى تتمثل في تباطؤ النمو وارتفاع التضخم وتأجيل خفض أسعار الفائدة.
السيناريو الثالث… اتساع الحرب
ويبقى السيناريو الأكثر خطورة هو تحول المواجهات إلى حرب إقليمية واسعة تعطل إمدادات الطاقة لفترة طويلة، أو تؤدي إلى إغلاق جديد لمضيق هرمز.
وفي هذه الحالة، سترتفع أسعار النفط إلى مستويات قد تتجاوز 100 دولار للبرميل، وستتعرض الاقتصادات المستوردة للطاقة، ومنها مصر، لضغوط كبيرة تشمل ارتفاع فاتورة الواردات وزيادة التضخم واتساع عجز الموازنة، وتراجع النشاط السياحي.
في النهاية، تكشف الحرب في إيران أن الاقتصاد المصري، على رغم ما حققه من تقدم في مسار الإصلاح، لا يزال شديد الارتباط بالتطورات الإقليمية، وبخاصة في ملفات الطاقة والتجارة والسياحة.
فكل ارتفاع في أسعار النفط وكل اضطراب في الملاحة ينعكس سريعاً على الموازنة العامة، وسوق الصرف ومستويات الأسعار.
لكن الفارق هذه المرة أن الاقتصاد يدخل الأزمة بأوضاع أفضل نسبياً مما كان عليه في أزمات سابقة، فالاحتياط من النقد الأجنبي أعلى، وسعر الصرف أكثر مرونة، وبرنامج الإصلاح يحظى بدعم دولي، فيما يرى صندوق النقد الدولي أن هذه العوامل ساعدت مصر حتى الآن على امتصاص جانب مهم من آثار الحرب.
ويبقى العامل الحاسم هو مدة الصراع، فكلما قصرت الأزمة تراجعت كلفتها على الاقتصاد المصري، أما إذا تحولت إلى مواجهة طويلة فإن ضغوط الدولار والتضخم والسياحة وقناة السويس ستصبح أكثر وضوحاً، مما يفرض على صانع القرار الاقتصادي مواصلة سياسة التوازن بين حماية الاستقرار المالي ودعم النشاط الاقتصادي.

التعليقات معطلة.