كلما اشتكى مواطن من خدمة متعثرة أو مشروع متوقف أو طريق أُنفقت عليه الملايين ثم انهار بعد أشهر فإن السؤال الحقيقى ليس من المسؤول؟ بل أين كانت الرقابة المحلية؟
لقد أثبتت التجارب، فى مختلف دول العالم، أن مكافحة الفساد لا تبدأ من المكاتب المركزية وإنما من الرقابة اليومية على الأرض. ومن هنا تأتى أهمية المجالس المحلية التى لا ينبغى النظر إليها باعتبارها استحقاقًا انتخابيًا فحسب، بل باعتبارها إحدى أهم أدوات الدولة فى حماية المال العام وتحقيق التنمية.
إن غياب المجالس المحلية لسنوات طويلة خلق فراغًا رقابيًا واضحًا تحملت الأجهزة التنفيذية وحدها عبء الإدارة والمتابعة، بينما غابت الرقابة الشعبية المنظمة القادرة على كشف أوجه القصور قبل أن تتحول إلى ملفات فساد أو إهدار للموارد. فالرقابة اللاحقة مهما كانت قوية تظل أقل كفاءة من الرقابة الوقائية التى تتابع التنفيذ لحظة بلحظة.
والحقيقة التى يجب الاعتراف بها هى أن الفساد الصغير أخطر من الفساد الكبير لأنه يتسلل إلى تفاصيل الحياة اليومية للمواطن. رخصة تصدر بالمخالفة أو أرض تخصص بغير حق، أو مشروع ينفذ دون جودة أو خدمة تتعطل بسبب المحسوبية.. كلها ممارسات قد تبدو محدودة لكنها عندما تتكرر تتحول إلى ثقافة تهدد كفاءة الدولة وثقة المواطن فيها.
لذلك فإن المجالس المحلية ليست خصمًا للإدارة التنفيذية، وإنما شريك فى تصويب الأداء. فالمسؤول التنفيذى الجاد لا يخشى الرقابة بل يعتبرها ضمانة لنجاحه، بينما يخشاها فقط من يسعى إلى إخفاء التقصير أو تمرير المخالفات.
لكن الرقابة وحدها لا تكفى. فلا يمكن أن نطالب المجالس المحلية بدور مؤثر دون أن نمنحها الأدوات التى تمكنها من أداء هذا الدور، كما أن نجاح التجربة المحلية يتطلب اختيار عناصر تمتلك الكفاءة والخبرة والنزاهة لا الاعتماد على الشعبية وحدها.
إن الجمهورية الجديدة التى ترفع شعار الكفاءة والحوكمة الرشيدة لا يمكن أن تكتمل دون إدارة محلية قوية، لأن التنمية الحقيقية لا تُدار من العاصمة وحدها، بل تبنى فى كل قرية ومدينة وحى. وكلما كانت المجالس المحلية أكثر قوة واستقلالًا وشفافية كانت الدولة أكثر قدرة على حماية المال العام وتحسين الخدمات واستعادة ثقة المواطنين.
إن معركة مكافحة الفساد ليست مسؤولية هيئة أو وزارة بعينها، بل هى مسؤولية دولة كاملة. والمجالس المحلية تمثل خط الدفاع الأول فى هذه المعركة لأنها الأقرب إلى المواطن والأقدر على كشف الخلل والأسرع فى تصحيح المسار. وإذا أردنا تنمية حقيقية يشعر بها المواطن فى حياته اليومية
فعلينا أن نبدأ من هنا.. من محليات قوية ورقابة فعّالة وإرادة لا تعرف المجاملة عندما يتعلق الأمر بالمال العام وحقوق المواطنين.

