ليست كل الحصارات متشابهة، ولا كل النهايات واحدة. لكن التاريخ حين يُستدعى، لا يأتي كذكرى, بل كتحذير.
حين فُرض الحصار على العراق بعد عام 1990، لم يكن مجرد أداة ضغط اقتصادي، بل كان مساراً كاملاً لإعادة تشكيل دولة، وتفكيك إرادة، وإنهاك مجتمع حتى لحظة الانهيار الكامل في 2003. اثنا عشر عاماً من الاستنزاف الممنهج انتهت باحتلال مباشر. لم يكن الزمن عاملاً محايداً، بل كان سلاحاً بحد ذاته.
اليوم، يتكرر السؤال ولكن بصيغة أكثر خطورة: إذا كان “حصار العراق” احتاج 12 عاماً ليُنتج النتيجة، فكم يحتاج “حصار هرمز” لإخضاع إيران؟
الإجابة الصادمة: لا أحد يملك قدرة الانتظار .
هرمز ليس العراق…. والزمن لم يعد كما كان
مضيق هرمز ليس دولة يمكن حصارها تدريجياً، بل هو شريان الطاقة العالمي. أي إغلاق فعلي له لا يعني الضغط على طهران فقط، بل إدخال الاقتصاد العالمي في حالة اختناق فوري. ثلث النفط العالمي يمر من هناك، وأي تعطيل طويل سيشعل أسعار الطاقة، ويهدد الاستقرار الاقتصادي الدولي، ويدفع القوى الكبرى إلى التدخل المباشر.
لهذا، فإن سيناريو “الحصار الطويل” يسقط من الحسابات وينظر اليه غير واقعي . العالم لن ينتظر 12 عاماً أخرى. لا الأسواق، ولا الحلفاء، ولا حتى الخصوم .
المنطق الاستراتيجي اليوم مختلف: بدل استنزاف طويل، هناك ميل واضح نحو الحسم السريع. أي محاولة لخنق هرمز ستُقابل، على الأرجح ، بعمل عسكري واسع ومباشر يهدف إلى:
تحييد القدرات البحرية الإيرانية
تدمير البنية الصاروخية الساحلية
فرض واقع جديد بالقوة خلال أيام أو ساعات، وليس سنوات
الهدف لن يكون “إسقاط النظام” بالضرورة، بل “كسر الإرادة والعناد” وإجبار طهران على القبول بشروط محددة ، تقليم النفوذ الإقليمي، ضبط البرنامج النووي، وإعادة تعريف دورها في المنطقة.
بمعنى آخر: ما استغرق عقداً في العراق، يُراد له أن يُحسم في زمن قياسي مع إيران .
لا يمكن فصل هذا التصعيد عن الداخل الأمريكي. الانتخابات النصفية ليست تفصيلاً. أي إدارة أمريكية تواجه اختباراً حقيقياً في قدرتها على إظهار الحزم، خصوصاً في ملفات الأمن القومي.
التردد مكلف سياسياً، والحسم حتى لو كان محفوفاً بالمخاطر، قد يكون الخيار الأقل كلفة داخلياً. لذلك، فإن نافذة القرار ليست مفتوحة إلى ما لا نهاية. هناك ضغط زمني حقيقي يدفع نحو نتائج ملموسة، لا مجرد إدارة أزمة.
وهنا ياتي دور العراق وربما هو الأخطر
في قلب هذا المشهد، يقف العراق كأول المتأثرين، لا كمتفرج.
جغرافياً: هو الأقرب إلى مسرح العمليات
سياسياً: يعيش على تقاطع النفوذين الأمريكي والإيراني
أمنياً: يحتوي على فصائل قد تتحول إلى أدوات اشتباك
اقتصادياً: يعتمد على استقرار أسواق الطاقة التي قد تهتز بعنف
أي مواجهة سريعة في هرمز ستنعكس فوراً على الداخل العراقي: توتر أمني، ضغط سياسي، وانقسام داخلي قد يعيد البلاد إلى مربع الصراع المفتوح.
العراق هنا ليس مجرد ضحية محتملة، بل ساحة اختبار لقدرة الدولة على النأي بنفسها عن صراع أكبر منها…. وهو اختبار لم تنجح فيه سابقاً.
زمن الحصار الطويل انتهى
الرهان على “استنساخ تجربة العراق$ مع إيران هو رهان خاطئ. البيئة الدولية تغيّرت، وسقف التحمل العالمي انخفض، وأدوات الحسم أصبحت أسرع وأكثر قسوة.
إذا فُرض حصار فعلي على هرمز، فلن يكون بداية مسار طويل، بل شرارة لحدث كبير وسريع. السؤال لم يعد: كم سنة سيستغرق إخضاع إيران؟ بل: كم يوماً يمكن للعالم أن يتحمل قبل أن ينفجر الوضع عسكرياً؟
وفي خضم هذا التسارع، يبقى العراق…. الحلقة الأضعف التي تدفع الثمن أولاً، وربما الأغلى.

