لو كانت المشكلة في إسقاط النظام الإيراني من منظور القدرات العسكرية والاقتصادية الأمريكية، لكان ذلك خياراً يمكن التفكير فيه، وربما تنفيذه. لكن السؤال الذي يشغل دوائر صنع القرار في واشنطن ليس: كيف يسقط النظام؟ بل: ماذا سيحدث في اليوم التالي لسقوطه؟
هنا تبدأ القصة الحقيقية.
كثيرون يفسرون تردد الولايات المتحدة بالخوف من الفوضى التي قد تعقب انهيار النظام، وهذا صحيح إلى حد بعيد، لكنه لا يفسر الصورة كاملة. فالفوضى ليست سوى المستوى الأول من المشكلة، أما المستوى الأخطر فيكمن في احتمال اهتزاز الدولة الإيرانية نفسها، بما تحمله من تداعيات تتجاوز حدودها.
فإيران ليست دولة عادية يمكن استبدال نظامها بآخر ثم تستمر الأمور كما كانت. إنها دولة ذات موقع جيوسياسي بالغ الحساسية، وتنوع قومي ومذهبي واسع، وحدود طويلة مع عدد كبير من الدول، وإطلالة على الخليج العربي وبحر قزوين، فضلاً عن امتلاكها شبكة واسعة من النفوذ الإقليمي. وأي انهيار شامل قد يطلق نزعات انفصالية وصراعات داخلية، ويفتح الباب أمام تدخلات إقليمية ودولية متشابكة، ويحوّل البلاد إلى ساحة تنافس مفتوح بين قوى متعددة.
لكن حتى هذا ليس جوهر المعضلة.
فالمشكلة الأعمق تكمن في أن سقوط النظام قد يفضي إلى انهيار معادلة إقليمية استقرت، بأشكال مختلفة، طوال عقود. فكثيرون يربطون الدور الإيراني بعام. ١٩٧٩، بينما الحقيقة التاريخية أن إيران كانت، قبل الثورة الخمينية ، أحد العناصر المؤثرة في توازنات المنطقة، وإن اختلفت طبيعة ذلك الدور وأهدافه. لقد تبدلت الأنظمة، لكن الموقع الجيوسياسي لإيران بقي ثابتاً، لأنها تمثل بحكم الجغرافيا والديموغرافيا والقدرات أحد مرتكزات التوازنات الإقليمية.
ومن هنا، فإن اختفاء هذا الركن بصورة مفاجئة سيخلق فراغاً استراتيجياً لا توجد حتى الآن قوة إقليمية أو دولية قادرة على ملئه بسهولة. وستجد القوى الإقليمية نفسها في سباق لإعادة رسم مناطق النفوذ، فيما ستسعى القوى الكبرى إلى حماية مصالحها ومنع خصومها من استثمار ذلك الفراغ. وعندها لن يكون الحديث عن تغيير نظام سياسي، بل عن إعادة تشكيل الشرق الأوسط بأكمله.
ولأن إيران أصبحت خلال العقود الأخيرة أحد أهم محددات ميزان القوى في الخليج والمشرق، فإن غيابها كلاعب إقليمي سيعيد توزيع عناصر القوة بصورة جذرية. وقد يمنح ذلك الدول العربية فرصة تاريخية للتحرر من ضغوط استمرت لعقود وأسهمت في تطويق المجال العربي وإرباك قراره الاستراتيجي، وهو ما سيقود بالضرورة إلى إعادة صياغة ميزان القوى الذي حكم الصراع العربي ـ الإسرائيلي لعقود طويلة. وهذه مرحلة لا تبدو القوى الكبرى مستعدة لخوضها من دون تصور واضح لمآلاتها.
لهذا تبدو السياسة الأمريكية، في جوهرها، أقرب إلى استراتيجية الاحتواء والضغط وإعادة ضبط السلوك منها إلى استراتيجية إسقاط النظام. فالهدف لا يبدو القضاء على إيران كفاعل إقليمي، بل منعها من التحول إلى قوة قادرة على فرض معادلات تتجاوز المصالح والسياسات التي سعت الولايات المتحدة إلى ترسيخها في المنطقة منذ عقود. لذلك يتركز الجهد الأمريكي على تقليص هامش الحركة الإيرانية، لا على دفع الدولة نحو الانهيار بما يحمله ذلك من نتائج قد تخرج عن السيطرة.
ولا يعني ذلك بالضرورة وجود إجماع كامل داخل واشنطن؛ فثمة مدارس مختلفة في التفكير الاستراتيجي الأمريكي، بعضها لا يستبعد فكرة تغيير النظام إذا توافرت ظروف ما بعد السقوط، فيما يفضّل آخرون سياسة الاحتواء الطويل واستنزاف القدرات الإيرانية تدريجياً. غير أن السياسة التي غلبت عملياً خلال العقود الماضية بقيت تميل إلى إدارة الصراع أكثر من حسمه.
ومن هنا أيضاً يمكن فهم جانب من ثقة النظام الإيراني. فهو لا يراهن فقط على قدراته العسكرية أو على شبكات نفوذه الإقليمي، بل يراهن على إدراكه أن خصومه يدركون أيضاً كلفة انهيار المعادلة التي يشكل أحد أطرافها، وأن ثمن إسقاطه قد يكون أعلى من ثمن استمرار الصراع معه ضمن حدود يمكن التحكم بها.
قد ينجح هذا الرهان أو يفشل، وقد تتغير الحسابات إذا تبدلت الظروف أو ظهرت بدائل قادرة على ملء الفراغ، لكن المؤكد أن الدول الكبرى لا تتخذ قراراتها بمنطق الثأر أو الرغبة في إسقاط الخصوم، وإنما بمنطق الكلفة والعائد وحسابات الاستقرار الاستراتيجي.
لذلك، فإن الحكم الأقرب إلى الواقع هو أن واشنطن لا تتردد في إسقاط النظام الإيراني لأنها عاجزة عن ذلك، بل لأنها تدرك أن كلفة انهيار الدولة أو اختلال التوازن الإقليمي قد تكون أكبر بكثير من كلفة استمرار الصراع معها ضمن حدود مدروسة. ومن هنا لا يبدو الصراع الأمريكي ـ الإيراني صراعاً وجودياً بقدر ما هو صراع على حدود الدور وحدود النفوذ. فالولايات المتحدة تريد إيران أقل قدرة على التوسع، لا بالضرورة إيران غائبة عن المعادلة، بينما يراهن النظام الإيراني على أن خصومه يخشون كلفة الفراغ أكثر مما يرغبون في كلفة إسقاطه. وبين هذين الرهانين تستمر لعبة الضغط والتفاوض، ويبقى الشرق الأوسط معلقاً على معادلة لم تُكسر بعد.

