أحمد إسكندر
يمثل حصول شركة علي بابا غروب على رقائق الذكاء الاصطناعي المتطورة من “إنفيديا” تطوراً استراتيجياً يتجاوز مجرد صفقة تقنية، إذ يعكس تحولات أعمق في سباق الهيمنة على الذكاء الاصطناعي، والعلاقة المعقدة بين الولايات المتحدة والصين، ومستقبل البنية التحتية الرقمية العالمية.
فعلياً، تُعد رقائق إنفيديا المتقدمة خصوصاً فئات مثل “H100” و “B200” العمود الفقري لتطوير نماذج الذكاء الاصطناعي الضخمة، نظراً لقدرتها الهائلة على معالجة البيانات وتدريب النماذج المعقدة بسرعة وكفاءة، بحسب ما ذكرت “بلومبرغ”.
دفعة لسوق الذكاء الاصطناعي
والحصول على هذه الرقائق بعد الحديث عن تهريبها من تايلاند يمنح “علي بابا” دفعة كبيرة في سباق تطوير النماذج اللغوية، والحوسبة السحابية، والتطبيقات الصناعية المعتمدة على الذكاء الاصطناعي.
الصين تنظر إلى الذكاء الاصطناعي باعتباره قضية أمن قومي ونفوذ اقتصادي عالمي. ومن هنا، فإن حصول “علي بابا” على هذه الرقائق يعني أن بكين لا تزال قادرة (ولو جزئياً) على الوصول إلى التكنولوجيا الأمريكية الأكثر تقدماً رغم القيود والعقوبات.
وهذا يمنح الشركات الصينية قدرة على تسريع تطوير نماذج ذكاء اصطناعي منافسة لـ”تشات جي بي تي” و “جيميناي” وتعزيز مراكز البيانات والحوسبة السحابية وتقليص الفجوة التقنية مع الشركات الأمريكية ودعم مشاريع الدولة في الأتمتة والمراقبة والمدن الذكية.
بالنسبة لـ”إنفيديا”، فإن السوق الصينية تمثل أحد أكبر مصادر الإيرادات عالمياً. ولذلك، فإن أي استثناء أو قدرة على بيع رقائق متقدمة للصين يعني استمرار تدفق مليارات الدولارات إلى الشركة الأمريكية.
لكن الأمر أكثر تعقيداً سياسياً، هو محاولات واشنطن منذ سنوات منع وصول الصين إلى التكنولوجيا المتقدمة التي قد تستخدم في التطبيقات العسكرية وتطوير الحوسبة الفائقة وأنظمة المراقبة والأمن السيبراني وتسريع أبحاث الأسلحة الذكية.
أمريكا تشتبه في تهريب رقائق إلى “علي بابا” الصينية عبر تايلاند – موقع 24
أفادت “بلومبرغ نيوز”، اليوم الجمعة، نقلاً عن مصادر مطلعة، بأن شركة مرتبطة بالمبادرة الوطنية للذكاء الاصطناعي في تايلاند، يشتبه في تورطها في تهريب خوادم من شركة “سوبر مايكرو كومبيوتر” بمليارات الدولارات، تحتوي على رقائق “إنفيديا” المتطورة إلى الصين.
المعادلة الصعبة
وهنا تظهر المفارقة: الولايات المتحدة تريد إبطاء التقدم الصيني، لكنها في الوقت نفسه لا تريد خنق شركاتها العملاقة أو خسارة السوق الصينية بالكامل.
إذا تمكنت شركة “علي بابا” من الحصول على رقائق متطورة بكميات مؤثرة، فهذا يشير إلى وجود ثغرات في منظومة العقوبات الأمريكية أو اعتماد الصين على نسخ معدلة مسموح بتصديرها أو نجاح الشركات الصينية في بناء شبكات توريد غير مباشرة تلتفق على العقوبات.
وفي كل الحالات، فإن الرسالة الأهم هي أن احتواء الصين تقنياً بشكل كامل يبدو أمراً شديد الصعوبة، خاصة مع ضخامة السوق الصينية وقدرتها على الاستثمار المحلي وهذا التطور يضع شركات صينية أخرى مثل “شركة تينسنت القابضة” و “شركة بايدو” و”هواوي” أمام تحدٍ جديد، إذ سيُطلب منها تسريع استثماراتها في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي حتى لا تتراجع أمام “علي بابا”.
كما أنه هذا المر يضغط على الشركات الأمريكية أيضاً، لأن المنافسة الصينية قد تصبح أكثر قوة في مجالات التجارة الإلكترونية الذكية والحوسبة السحابية والذكاء الاصطناعي الصناعي والخدمات اللوجستية المؤتمتة.
ما الذي تخشاه واشنطن؟
المخاوف الأمريكية ليست تجارية فقط، بل جيوسياسية وعسكرية أيضاً وكلما امتلكت الصين قدرة أكبر على الوصول إلى رقائق الذكاء الاصطناعي المتطورة، زادت قدرتها على تطوير أسلحة ذاتية التشغيل وبناء أنظمة مراقبة فائقة وتسريع أبحاث الحرب الإلكترونية وتحليل البيانات الاستخباراتية بسرعة هائلة.
ولهذا السبب، أصبحت الرقائق الإلكترونية اليوم تشبه النفط في القرن العشرين بمعن أنها أداة نفوذ استراتيجي تحدد موازين القوة العالمية.
حصول “علي بابا” على رقائق “إنفيديا” ليس مجرد خبر تقني، بل إشارة إلى أن معركة الذكاء الاصطناعي دخلت مرحلة جديدة تتشابك فيها التجارة بالتكنولوجيا والجغرافيا السياسية والأمن القومي وهذه الرقائق لم تعد مجرد مكونات إلكترونية، بل أصبحت سلاحاً اقتصادياً واستراتيجياً يحدد من سيقود الاقتصاد العالمي في العقود المقبلة.

