ماذا يقول برايان ماكلينشي؟ (1)

1

أحمد الصراف
يقول برايان ماكلينشي Brian McGlinchey، الجندي السابق والكاتب الأمريكي المستقل، الذي اشتُهر بكشف بعض أسرار أحداث 11 سبتمبر 2001، في محاضرة حديثة:

سأبدأ تحليلي للعلاقات الأمريكية – الإسرائيلية برحلة إلى مكان غير متوقع، وإلى يوم 20 ديسمبر 1989، عندما غزت الولايات المتحدة بنما، وأطاحت نورييغا، وخطفته ليموت في سجونها.

قتل وأصيب في تلك العملية 350 جندياً أمريكياً، وبعد أسابيع عدة دار حديث بيني وبين زميل عسكري من بنما، حيث اعتذرت له عما جرى لبلاده على يدنا، فقال من دون تردد: كنا نعلم أنكم قادمون، فقد أخبرنا الإسرائيليون بذلك (؟). ومنذ ذلك اليوم، قبل 36 عاماً، تحت شمس بنما الحارقة، بدأت رحلتي في فهم حقيقة العلاقة بين بلدينا، والأغرب بين دولتين، حيث تخضع أكبر قوة اقتصادية وعسكرية عرفها التاريخ لدولة صغيرة تكاد تكون بلا قيمة، ومع هذا تجبرها على إعادة توزيع ثروتها عليها بشكل منهجي، بل وتتبنّى أجندتها الجيوسياسية من دون قيد أو شرط، حتى على حسابها، وتتخذ إجراءات متطرفة نيابة عنها، مما يُلحق أضراراً جسيمة بمصالحنا، ويتسبب في موت وتشريد ويأس ملايين الأبرياء.

إن دعم الولايات المتحدة لإسرائيل له ثمن باهظ ومتعدد الأوجه. لا تُقاس التكاليف الباهظة لهذه العلاقة بالدولارات، لكننا سنبدأ بها، مع الأخذ في الاعتبار أن كل دولار منها هو قرض بفائدة، وغالباً ما يُذكر رقم 3.8 مليارات دولار، فهذا ما التزمت به الولايات المتحدة بموجب مذكرة التفاهم الحالية بين الطرفين، لكن غالباً ما يتجاوز إجمالي المساعدات هذا الحد بكثير. ففي السنة الأولى، بعد 7 أكتوبر، أقرّ الكونغرس 8.7 مليارات دولار إضافية لإسرائيل، من دون تردد. فهي من أكبر متلقي المساعدات، منذ تأسيس إسرائيل، وتلقت ضعف ما تلقته الدولة التي تليها، مع أنها لا تمثل سوى 0.12% من سكان العالم، لكنها تلقت ما بين 20% إلى 30% من إجمالي المساعدات منذ الحرب العالمية الثانية. ويزداد الأمر غرابةً، عندما ندرك أن إسرائيل من بين أغنى دول العالم. فبموجب نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي، تحتل إسرائيل المرتبة العشرين عالمياً، متقدمةً على دول مثل النمسا وكندا وألمانيا والمملكة المتحدة. وهي وحدها تتلقى ضعف ما تقدمه الولايات المتحدة لكامل دول جنوب الصحراء الأفريقية مجتمعة. هذا بخلاف ما ينفق من مبالغ طائلة نيابةً عنها، حتى المساعدات التي تقدّم لمصر، هي مساعدات لإسرائيل، جعلت الأخيرة تعيش في أمان أكثر، في ظل اتفاقيات كامب ديفيد، والأمر ذاته ينطبق على الأردن، كما يتم استخدام حيل بيروقراطية لإخفاء الحجم الحقيقي للمساعدات، التي تُقدّم لإسرائيل، من خلال تنظيم صفقات سلاح منفصلة، بمبالغ تقل قليلاً عن المستوى، الذي يتطلب تقديم تقارير بها للكونغرس، مما يعني أن إسرائيل تحصل على أكثر من نصف إجمالي المساعدات العسكرية الأمريكية في العالم. والمثير للدهشة أن حصة إسرائيل من المساعدات العسكرية مرتفعة بشكل محرج، لدرجة أن مؤيديها يضغطون على الولايات المتحدة لزيادة مساعداتها العسكرية للدول الأخرى. ليس حرصاً على أمن إسرائيل، بل لمجرد تحسين صورتها العامة، وهذه حقيقة مُرة، يحدث ذلك على الرغم من أن القانون الأمريكي يحظر، بأي شكل، تقديم مساعدات للدول التي تمتلك أسلحة نووية، وترفض توقيع معاهدة عدم انتشارها، والتي وقعتها إيران، ولم توقعها إسرائيل أساساً. لذا كلفت حربا العراق وسوريا فقط، قرابة 3 تريليونات دولار، غالباً لإرضاء إسرائيل، وجزء من المبلغ يُخصّص لرعاية المحاربين القدماء، وهم وطنيون انضموا للدفاع عن أمريكا، لكن انتهى بهم المطاف كأدوات في يد دولة صغيرة في أقصى العالم.

وإلى مقال الغد..

أحمد الصراف

التعليقات معطلة.