هل يعود الزيدي رئيساً أقوى أم تبدأ معركة إسقاطه؟

1



رئيس الحكومة في ضيافة ترامب.. والفصائل تضع يدها على الزناد

بغداد/ تميم الحسن

بينما كان رئيس الوزراء علي الزيدي يعبر بوابة البيت الأبيض للقاء الأول مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب، كانت فصائل مسلحة في العراق تضع يدها على الزناد.
التصعيد المستمر منذ ثلاثة أيام بين واشنطن وطهران، بعد إعلان ترامب انتهاء “هدنة الـ60 يوماً”، أعاد إلى تلك الفصائل قناعة قديمة: دورها لم ينته بعد، وأن العراق ما زال ساحة محتملة في الصراع الأميركي – الإيراني.
لكن في بغداد ثمة من يرى أن الامتحان الحقيقي للزيدي لن يجري في واشنطن، بل بعد عودته منها: فإما أن ينجح في تثبيت حكومته، او تقوم ايران باسقاطها.
ووصل الزيدي أمس، إلى واشنطن برفقة وفد سياسي واقتصادي كبير، على أن يلتقي ترامب بعد ساعات من وصوله.
استقبال الزيدي.. والرسالة الأميركية
ويقول السياسي المستقل والنائب السابق مثال الآلوسي إن إدارة ترامب تولي زيارة الزيدي اهتماماً استثنائياً.
وقال لـ(المدى): “واضح إعلامياً أن إدارة ترامب تعطي اهتماماً لزيارة علي الزيدي، وبالتالي فإن ترامب يسعى إلى تأكيد دعمه لشخص الزيدي كرئيس حكومة تتجه نحو الإصلاح السياسي والعسكري والأمني والمالي والاقتصادي”.
واعتبر الآلوسي أن الزيدي حظي باستقبال لم ينله رؤساء حكومات عراقيون سبق أن زاروا واشنطن، ورأى في ذلك إشارة إلى اهتمام إدارة ترامب بالزيارة.
لكن مقاطع الفيديو التي نشرتها الحكومة العراقية لم تُظهر استقبالاً رسمياً من الجانب الأميركي، كما أن الاجتماعات الأولى للزيدي عقدت في قاعة صغيرة، الأمر الذي ترك الباب مفتوحاً أمام قراءات متباينة بشأن مستوى الحفاوة الأميركية بالضيف العراقي.
وانتقد الآلوسي في الوقت نفسه حجم الوفد العراقي وتركيبته، معتبراً أن “هذا الوفد الضخم واختيار المحاصصة لم يكونا موفقين أمام أميركا التي تتمنى، وترامب الذي ينتظر، تغييراً جوهرياً في السياسة العراقية”.
وأضاف أن “ترامب ينتظر تغييراً جوهرياً في سياسة الحكومة، وبالتالي فإن استعراض المحاصصة لم يكن موفقاً”.
وشدد على أن “واشنطن تدفع نحو حكومة أكثر استقلالية وأكثر قدرة على تصحيح توجهات الحكومة، وليس باتجاه إهانة شخصيات بعينها”.
وضم الوفد الحكومي المرافق للزيدي، 27 وزيراً ومسؤولاً وأكثر من 30 رجل أعمال.
وقبيل لقائه ترامب، قال الزيدي في تغريدة إنه عازم على “ترجمة متانة العلاقات العراقية – الأميركية إلى شراكات اقتصادية واستثمارية حقيقية، تفتح آفاقاً أوسع للتعاون في الطاقة والتكنولوجيا والبنى التحتية والاقتصاد الرقمي وشراكات التمويل”.
لكن الاقتصاد ليس الملف الوحيد الذي يحمله الزيدي إلى واشنطن.
فخ السلاح
ففي نظر مراقبين، يبقى ملف السلاح هو الأهم. وتقول مصادر مقربة من الفصائل إن الجماعات المسلحة “تشعر بأن هناك فخاً يريد ترامب أن يوقعنا به من خلال نزع السلاح”.
وقال مصدر قريب من الفصائل لـ(المدى) إن هذه الجماعات تشكك أيضاً في “مهلة 30 أيلول التي يفترض أن تنسحب فيها القوات الأميركية بالكامل وينتهي ملف السلاح في التوقيت نفسه بحسب الزيدي”.
وأضاف المصدر، الذي طلب عدم الكشف عن هويته، أن تلك الجماعات تعتقد أن “ترامب سيخدعنا، فهو يسرع بتسليم السلاح ويعد خطة كبيرة لإسقاط النظام الإيراني”.
وبحسب المصدر، فإن هذا الاعتقاد يدفع الفصائل إلى إبقاء يدها على الزناد، خصوصاً بعد انتهاء هدنة الـ50 يوماً وعودة العمليات العسكرية.
العراق على حافة الاشتباك
وتواصلت، أمس، المواجهة العسكرية بين الولايات المتحدة وإيران لليوم الثالث على التوالي.
وقال الجيش الأميركي إن قواته أكملت موجة جديدة من الضربات ضد إيران بناءً على توجيهات من الرئيس دونالد ترامب.
بالمقابل أعلن “الحرس الثوري” الإيراني استهداف قاعدة جوية أميركية في الأردن بصواريخ باليستية.
وفي بغداد، قالت مصادر أمنية وسياسية لـ(المدى) إن السلطات تتابع منذ أيام تحركات مجموعة محددة من الفصائل، يتراوح عددها بين 7 و10 تنظيمات، يعتقد أنها ترتبط مباشرة بالحرس الثوري الإيراني.
وتجري تحقيقات غير معلنة لمعرفة ما إذا كانت بعض هذه الفصائل قد شاركت بالفعل في هجمات استهدفت مواقع وقواعد أميركية في البحرين والكويت والأردن.
وتقول المصادر إن المعلومات “لم تصل إلى مرحلة التأكيد، لكن القلق يكفي”.
ولا تستبعد المصادر انخراط هذه الجماعات، التي باتت توصف رسمياً في الأوساط الأميركية بأنها تابعة للحرس الثوري الإيراني، في هجمات أوسع إذا واصلت واشنطن استهداف مواقع إيرانية.
ووفق تلك المصادر، فإن “كل ضربة أميركية جديدة ضد إيران قد تدفع هذه الفصائل إلى الانتقال من مرحلة المراقبة إلى مرحلة الاشتباك، الأمر الذي يهدد بإعادة العراق إلى قلب المواجهة في المنطقة”.
وعشية الزيارة، أعلنت مايسمى بـ”المقاومة الإسلامية” رفضها المبدئي لرحلة رئيس الوزراء إلى الولايات المتحدة.
80‌% من السلاح.. و5 فصائل خارج التسوية
وفي المقابل، يقول رحيم العبودي، عضو “تيار الحكمة” بزعامة عمار الحكيم، إن ملف نزع السلاح “وصل إلى 80 في المائة”، وإن ما بين 4 و5 فصائل ما زالت ترفض الإذعان.
وأوضح لـ(المدى) أن تقليص النفوذ الإيراني جرى عبر قطع خطوط الإمداد اللوجستي بعد تغيير النظام في سوريا، بما منع التواصل مع “حزب الله” اللبناني.
وأضاف أن الولايات المتحدة لم تستطع تغيير النظام في العراق لأنه “شبه مستقر”، ولذلك بدأت العمل عبر ثلاث مراحل: التمويل، والإبعاد عن السلطة، ثم سحب السلاح.
وقال إن أميركا بدأت بمحاصرة ومنع مصارف معينة يعتقد أنها تتعامل مع الجماعات المسلحة، ثم رفضت مشاركة أي من تلك الفصائل في الحكومة.
وأضاف: “نحن الآن في المرحلة الثالثة وهي نزع السلاح، ولا نعرف إذا كان الزيدي سيستطيع تحقيق ذلك بشكل كامل أم لا، وسيظهر ذلك بعد زيارة واشنطن”.
لكن مصادر سياسية سبق أن تحدثت لـ(المدى) قالت إن تسليم السلاح كان شكلياً، وإن بعض الفصائل سلمت أسلحة قديمة واحتفظت بالصواريخ الباليستية بتحريض من إيران.
حيتان الفساد في حقيبة الزيارة
ويذهب الزيدي إلى واشنطن بعد أسابيع من ملاحقة ما يسمى عراقياً بـ”حيتان الفساد”، وبكابينة حكومية منقوصة يتوقع أن تكتمل لاحقاً.
ويقول الآلوسي، وهو مؤسس حزب الأمة، إن الدوائر المالية الأميركية والبنك المركزي الأميركي وجهات مكافحة غسل الأموال “قلقة جداً من الأموال العراقية الموجودة في الخارج، والتي تقدر بمئات ملايين الدولارات وتعود إلى شخصيات ومؤسسات سياسية مرتبطة بجهات ذات توجهات معادية لأميركا”.
لكن الملف الأساسي، بحسب الآلوسي، يبقى “مدى قدرة ومصداقية الزيدي وحكومته في التصدي للفصائل وملف سحب السلاح وفرض سلطة القانون”.
الاختبار يبدأ بعد العودة
وقال إن عدم حسم الوزارات الأمنية قد يكون “إشارة إلى أميركا بأن الوزارات التي ستفرض سلطة الدولة وسحب السلاح من الفصائل لن تكون للأحزاب والإطار والمحاصصة، وإنما ستدار من قبل محترفين يساعدون الزيدي في تحقيق هدفه”.
وأضاف أن الفصائل التي أعلنت رفضها تسليم السلاح وأكدت ولاءها للمرشد الإيراني والتزامها بمحور المقاومة “تنتحر سياسياً”.
وتابع: “محور المقاومة أصبح من الماضي، وتحولت المنطقة بعد الحرب الإيرانية – الأميركية من عهد إلى عهد آخر، وأي تصعيد الآن بلا قيمة سياسية”.
لكنه أقر بأن تلك الجماعات ما زالت قادرة على تهديد الداخل العراقي، مضيفاً أن “الاختبار العسير سيبدأ بعد عودة الزيدي إلى بغداد، وبعد اختياره وزيري الداخلية والدفاع وإجراء تغييرات في الأجهزة الأمنية”.
وختم الآلوسي بالقول إن “أميركا والعالم يعتقدان أنه لا يمكن الإصلاح بأدوات عاشت وشاركت في الفساد، وإن الزيدي يحتاج إلى أدوات عراقية جديدة، علمانية ومدنية ووطنية، لا تحترم منطق الميليشيات ولا عقائدها السياسية”.
ويرى أن الملفات الاقتصادية والنفطية والمالية التي سيوقعها الزيدي في واشنطن أعد لها خبراء ومستشارون عملوا مع حكومة محمد شياع السوداني، معتبراً أن الاستفادة من خبراتهم “إجراء جيد”.
سؤال ما بعد واشنطن
ويضيف: “ذهب الزيدي إلى أميركا بأحلام كبيرة، وسيعود بمشاريع ومسؤوليات كبيرة. نجاح الزيارة لن يتحقق أثناء وجوده في واشنطن، بل بعد عودته إلى بغداد”.
ثم يطرح السؤال الذي يتردد في الأوساط السياسية العراقية: “هل ستستمر حكومة الزيدي، أم ستسقطها إيران والفصائل؟”.
ويعتقد الآلوسي أن الزيدي يحظى الآن بدعم كبير من ترامب، لكنه يحتاج أيضاً إلى تعزيز دعمه الكردي مع القيادات في اربيل، وتطوير علاقاته العراقية الخليجية والتركية، لأن هذا المحور، بحسب قوله، سيدعمه مالياً واقتصادياً ويساعده على تحجيم الفصائل.

التعليقات معطلة.