واشنطن والعراق… هل بدأت ملامح مرحلة جديدة؟ 

4

 

 

ليست الزيارات التي تُصنع منها التحولات التاريخية هي تلك التي يكثر فيها التصفيق أمام عدسات الكاميرات، بل تلك التي تُغيّر طريقة قراءة المشهد السياسي بعد انتهائها.

ولهذا، فإن زيارة رئيس الوزراء العراقي إلى البيت الأبيض لا تبدو، في ضوء التصريحات التي صدرت خلالها، مجرد محطة بروتوكولية، بل قد تمثل مؤشرًا على اتجاه جديد في العلاقة بين بغداد وواشنطن، وعلى قراءة مختلفة لموقع العراق في الإقليم.

اللافت في الزيارة أن الحديث تجاوز عبارات الترحيب المعتادة، ليدخل مباشرة إلى ملفات تمثل جوهر الأزمة العراقية: الاقتصاد، والاستثمار، والطاقة، وحصر السلاح بيد الدولة، والشراكة الاستراتيجية، ومستقبل العلاقة مع الولايات المتحدة.

وحين يقول رئيس الوزراء إن العراق ورث تركة ثقيلة، وإن تخصصه اقتصادي، وإن بلاده تحتاج إلى شريك حقيقي لا يستطيع أن يواجه هذه التحديات منفردًا، ثم يضيف أنه يرى الولايات المتحدة الشريك العالمي الأقوى للعراق، فإنه يطرح رؤية تقوم على أولوية بناء الدولة والاقتصاد عبر شراكة دولية، لا على منطق الاصطفافات الأيديولوجية.

وفي المقابل، حملت تصريحات الرئيس الأمريكي رسائل سياسية واقتصادية لافتة، من بينها الحديث عن توسيع التعاون في مجالات الطاقة والاستثمار والأمن، ووصف العراق بأنه بلد عظيم، والتأكيد على دعمه للحكومة العراقية، والإشارة إلى دور إقليمي أكبر يمكن أن يؤديه العراق مستقبلاً.

أما الملف الأكثر حساسية، فهو التأكيد على أن السلاح يجب أن يكون بيد الدولة، وأنه بعد الموعد الذي أُعلن عنه لن يكون هناك مبرر لوجود أي سلاح خارج مؤسساتها الرسمية. وإذا تُرجمت هذه الرؤية إلى سياسات عملية، فإنها تمثل أحد أكبر التحولات التي يمكن أن يشهدها العراق منذ عام 2003.

وعندما تُقرأ هذه الزيارة ضمن سياق أوسع يشمل تصاعد الضغوط على إيران، والتطورات في اليمن، والتحركات الدولية الأخيرة، فإنها تبدو جزءًا من مشهد إقليمي يتغير، لا حدثًا منفصلًا عنه.

لكن السياسة لا تُقاس بالتصريحات وحدها، بل بقدرة الأطراف على تحويلها إلى قرارات واتفاقيات ومشروعات قابلة للتنفيذ. فالأيام وحدها ستكشف حجم ما يمكن أن يتحقق على الأرض.

ومهما كانت التقديرات، فإن الثابت هو أن العراق يقف اليوم أمام فرصة لإعادة تعريف موقعه في المنطقة، وأن نجاح هذه الفرصة سيُقاس بمدى قدرتها على بناء دولة قوية، واقتصاد منتج، وسيادة كاملة، وعلاقات خارجية تحقق مصالح العراقيين أولًا.

فإذا تحولت هذه الرؤى إلى واقع، فقد لا تكون زيارة واشنطن مجرد خبر سياسي عابر، بل إحدى المحطات التي يُشار إليها لاحقًا بوصفها بداية مرحلة جديدة في تاريخ العراق الحديث.

التعليقات معطلة.