بعد نحو عشرين شهراً من الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، يبدو أن الضمير الأوروبي بدأ يستيقظ على وقع الانتهاكات والجرائم التي ترتكبها إسرائيل بحق الفلسطينيين، وإن جاءت هذه الصحوة متأخرة وبطيئة، وتحتاج إلى خطوات أكثر جرأة للضغط على إسرائيل ودفعها نحو إنهاء الحرب.
من حيث المبدأ، لا أحد يملك ورقة الضغط الفعلي وإرغام إسرائيل على إنهاء الحرب سوى الولايات المتحدة، وهو ما لم تقم به الإدارة الأمريكية في عهدي بايدن وترامب، لأسباب تتعلق برؤيتها لإسرائيل ودورها وموقعها في الاستراتيجية الأمريكية في المنطقة والعالم. لكن الدول الأوروبية تستطيع التأثير ولديها الكثير من أوراق الضغط التي يمكن استخدامها، لو أرادت، للانتقال من حيز التوصيف النظري إلى الإجراءات العملية وتدفيع إسرائيل ثمن غطرستها وتحديها للمجتمع الدولي وانتهاكاتها المستمرة لقواعد حقوق الإنسان والقوانين الدولية.
من الصعب تصور أن يبقى الاتحاد الأوروبي مجرد كيان جغرافي بلا أي دور سياسي أو حتى أخلاقي، وهو الذي قام على مبادئ الديمقراطية وحرية الرأي واحترام حقوق الإنسان. وإذا كان هذا الاتحاد قد تماهى مع إدارة بايدن السابقة إلى الحدود التي جعلت دوره يختفي في الساحة الدولية، فإن الأمر بات مختلفاً تماماً مع إدارة ترامب الباحثة عن مصالحها (أمريكا أولاً) حتى ولو على حساب الحلفاء. وبالتالي فقد عادت أوروبا للبحث عن استقلاليتها ودورها في الساحة الدولية، وعاد الصوت الأوروبي يرتفع شيئاً فشيئاً تجاه الحرب الإسرائيلية على غزة، بعد أن غاب طيلة الشهور الماضية، ووصل إلى حد «التواطؤ» مع ما ترتكبه إسرائيل من فظائع بحق الفلسطينيين.
صحيح أن هناك انقساماً أوروبياً تجاه إسرائيل، إذ ناهيك عن وجود دول تدعم الفلسطينيين وتؤيد حقهم في تقرير المصير مثل إسبانيا وإيرلندا والنرويج وسلوفينيا ومالطا وغيرها، ويمكن ضم فرنسا وحتى بريطانيا اللتين تطالبان بـ «حل الدولتين»، إلا أن هناك من الدول الحليفة تاريخياً لإسرائيل، مثل هولندا، هي من قدم إلى المفوضية الأوروبية مقترح مراجعة اتفاقية الشراكة مع إسرائيل. قد يكون من الصعب تعليق اتفاقية الشراكة هذه لأن ذلك يحتاج إلى إجماع دول الاتحاد الـ 27، لكن ثمة ما يمكن عمله إزاء السياسة التجارية للاتحاد مثل تجميد الامتيازات التجارية لإسرائيل، كونه يحتاج إلى موافقة ثلثي الأعضاء فقط، وهي إمكانية متوفرة. وإذا ما حدث ذلك، فإنه سيكون أول إجراء عملي ضد إسرائيل، من المؤكد أنه لن يؤدي إلى إنهاء الحرب على غزة، لكنه سيكون نوعاً من الثمن الذي يمثل بداية لعملية تغيير قد تنسحب على الكثير من الدول في العالم.
الحقيقة الواضحة، حتى الآن، هي أن المواقف الأوروبية في تصاعد مستمر، رغم الموقف المتذبذب لألمانيا، للمطالبة بوقف الحرب وإيجاد تسوية سياسية للصراع، وما السجال الفرنسي الإسرائيلي الأخير والاتهامات المتبادلة سوى التعبير الأبرز عن صحوة الضمير الأوروبي والمدى الذي يمكن أن يذهب إليه.

