الشرق الأوسط… ماذا؟ وإلى أين؟

18





 

الجزء الرابع والأربعون:

 

اعتراف توم باراك… بداية نهاية الهيمنة الإيرانية في العراق

 

في لحظة سياسية تتزاحم فيها الانهيارات والتحوّلات، يأتي اعتراف توم باراك كصفارة إنذار مدوّية، لا تُطلق في الهواء ولا تُقال على استحياء. المنطقة كلّها تتحرك فوق رمال متحركة؛ إيران تتصرف كقوة متفردة، والولايات المتحدة تعيد تموضعها، والعراق يتأرجح بين مشروعين كبيرين يتصارعان على جغرافيته وهويته وقراره. إنها ليست مجرد شهادة من رجل نافذ، بل علامة فارقة في صراع النفوذ داخل الشرق الأوسط. ما بعد هذا الاعتراف لن يشبه ما قبله… لا في العراق فحسب، بل في مجمل معادلة القوة الإقليمية التي تدخل اليوم مرحلة إعادة تشكيل جذرية.

 

أولاً: توازن ما بعد 2003… عقد غير مكتوب بين واشنطن وطهران

منذ سقوط النظام، سارت العلاقة بين الطرفين وفق قاعدة غير معلنة: إيران تنفذ على الأرض… وأميركا تشرف من السماء. كانت المعادلة عملية للطرفين: إيران تبحث عن عمق استراتيجي، وواشنطن تريد عراقًا قابلًا للإدارة. لكنّ هذه المعادلة انتهت مع انزلاق إيران من “شريك تكتيكي” إلى قوة تريد الانفراد بالعراق.

 

ثانيًا: إيران تحوّلت من لاعب مؤثر إلى لاعب متفرد

لم يعد الدور الإيراني تأثيرًا سياسيًا كلاسيكيًا، بل تمددًا فوق الدولة:

فصائل مسلحة تتجاوز صلاحيات الجيش.

برلمان تُدار جلساته بخيوط خارج الحدود.

اقتصاد ينساب إلى محور طهران.

تموضع استراتيجي متصاعد مع موسكو وبكين.

في نظر واشنطن، هذا تمرد صريح على قواعد اللعبة التي حكمت المرحلة منذ 2003.

 

ثالثًا: لماذا قال باراك ذلك الآن؟

اعترافه ليس توبة سياسية، بل إشارة لمرحلة جديدة تستعد لها واشنطن:

إيران تجاوزت سقف الشراكة القديمة.

الفصائل أصبحت القوة الحقيقية، وليست الحكومات.

الموقف الأميركي بحاجة إلى شرعية سياسية داخلية وخارجية.

التحول الجديد يتطلب سردية تقول إن “السياسة القديمة فشلت”.

الاعتراف يمهد لإعلان نهاية مرحلة وبداية أخرى.

 

رابعًا: إسقاط الهيمنة الإيرانية… مواجهة بلا ضجيج

ما قاله باراك هو إعلان غير مباشر بأن زمن التساهل الأميركي انتهى:

تضييق الخناق على الفصائل الموالية لطهران.

دعم قوى سياسية جديدة بعيدًا عن نفوذ الوكلاء.

إعادة ضبط قواعد الحكم.

وربما إعادة هندسة المشهد العراقي بأكمله.

إنه تحول استراتيجي لا يشبه ما قبله.

 

خامسًا: العراق… قلب الصراع القادم

لم يعد العراق ساحة ثانوية، بل أصبح خط التماس الأول بين مشروعين:

مشروع إيراني يرفض التراجع.

ومشروع أميركي يسعى للعودة بقوة.

واشنطن تقول علنًا اليوم: العراق لن يبقى ساحة حصرية للنفوذ الإيراني.

ويبقى السؤال الأكبر: هل تقبل إيران بالخروج التدريجي من العراق؟ أم سنشهد صدامًا يفتح البلد على فصل جديد من الفوضى والصراع الإقليمي؟

 

يتبع غدا الجزء الخامس والاربعون: “بغياب الردع العربي ستواجه إسرائيل الردع الدولي حين تتضرر المصالح”

التعليقات معطلة.