على رغم وعد دونالد ترمب لجموع المتظاهرين في إيران بأن “المساعدة في طريقها إليهم”، ربما أقنع بعضهم الرئيس الأميركي باتباع نهج أكثر حذراً – وربما أكثر جدوى – يتمثل في الانتظار والترقب
ماري ديجيفسكي كاتبة @IndyVoices
قال دونالد ترمب للإيرانيين إن “المساعدة في طريقها إليكم” – فأين هي؟ (أ ف ب/ غيتي)
ملخص
تعتمد إدارة ترمب سياسة إبقاء إيران في حالة غموض وترقّب بدل التدخل المباشر، مستخدمة التهديدات والتصعيد الكلامي لردع القمع من دون الانزلاق إلى مغامرة عسكرية واسعة. هذا النهج البراغماتي يقوم على عمليات محدودة ومحسوبة، وحسابات انتخابية وإقليمية، مع تجنب أي تورط بري وتغيير شامل للنظام.
منذ مطلع العام، أصبح من النادر أن نستيقظ من دون أن يطالعنا خبر عن استعراض جديد ومباغت للقوة الأميركية،مع ذلك، في الأيام الأخيرة هذا ما حدث – أو بالأحرى، ما لم يحدث.
بينما كنا نستعد لتدخل أميركي محفوف بالأخطار في إيران، استيقظنا هذا الصباح لنجد أن… حسناً، شيئاً لم يحدث. قد تكون إدارة ترمب أعلنت أن الولايات المتحدة “مستعدة ومتأهبة وجاهزة للتحرك”، لكنها لم تتحرك – أو لم تتحرك بعد. فما السبب؟
لا يمكن القول إن دونالد ترمب يتحاشى استخدام القوة، فقد أظهرت الأسابيع الأخيرة العكس بوضوح لافت. فمن الضربات التي نفذت يوم عيد الميلاد دفاعاً عن المسيحيين في شمال نيجيريا، مروراً بعملية الاعتقال الدرامية لرئيس فنزويلا وزوجته في الأيام الأولى من العام الجديد، ووصولاً إلى الاستيلاء على ناقلة نفط مرتبطة بفنزويلا ترفع علم روسيا في شمال شرقي المحيط الأطلسي، علاوة على تنفيذ سلسلة من الضربات الانتقامية ضد أهداف تابعة لتنظيم الدولة الإسلامية في سوريا… كان الجيش الأميركي منشغلاً على نحو غير مسبوق.
ووسط كل هذه الأحداث، لم يتوقف ترمب عن التعليق على الاحتجاجات في إيران، بدءاً بتعهده بأن “الولايات المتحدة الأميركية ستهب لنجدة المتظاهرين السلميين إذا استخدمت القوة المميتة ضد المتظاهرين السلميين”. وتحدث ترمب أيضاً عن اتخاذ “إجراءات صارمة للغاية” إذا ما شرعت إيران في شنق المحتجين.
وتابع كلامه على نحو بدا وكأنه تشجيع صريح لـ”الوطنيين الإيرانيين” على “مواصلة الاحتجاج والاستيلاء على مؤسساتكم”، مؤكداً أن “المساعدة في طريقها إليكم”. وعلى رغم عدم تحديد طبيعة هذه المساعدة، فإن المتحدثة باسم البيت الأبيض، كارولين ليفيت، أوضحت أن الدبلوماسية تظل الخيار الأول بالنسبة إلى ترمب، لكن “الضربات الجوية ستكون أحد الخيارات المتعددة المطروحة على الطاولة”.
وبعد يوم واحد، قال ترمب إنه تلقى معلومات موثوقة تفيد بأن عمليات القتل انحسرت، ولا توجد خطط لإعدامات “واسعة النطاق”، كما لو أن ذلك يبرر تراجعه. وفي مساء ذلك اليوم، ظهر وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي على قناة “فوكس نيوز” الموالية لترمب، ليقول إن إيران “لا تخطط على الإطلاق لإعدام أي شخص شنقاً… والإعدام شنقاً أمر غير وارد على الإطلاق”.
ويُشار إلى أن الولايات المتحدة لا تربطها أية علاقات دبلوماسية بإيران منذ قيام الثورة الإسلامية عام 1979، وشنت كذلك غارات جوية على المنشآت الإيرانية النووية في يونيو (حزيران) عام 2025، على رغم أن آثار هذه الغارات لا تزال غير معروفة (علناً). لذا، فإن استضافة قناة تلفزيونية أميركية لمسؤول إيراني رفيع المستوى في ما يمكن اعتباره تصريحاً علنياً موجهاً للجمهور الأميركي يعد حدثاً مهماً.
ويبدو الآن أن أي تدخل مباشر في إيران قد عُلق، هذا إن كانت نية التدخل موجودة فعلاً في السابق- مما يطرح السؤالين التاليين: لماذا، وماذا بعد الآن؟
لا بد من أن تكون الإجابة الأولية حذرة. فلا يزال التدخل العسكري بصورة ما وارداً. وقد يكون أحد أهداف ترمب إبقاء كثير من الخيارات مفتوحة وإبقاء الجميع، بخاصة الملالي، في حال حيرة وترقب – وهذا، من ناحية ما، سياسة بحد ذاتها.
علاوة على ذلك، يمكن المجادلة بأن هذه السياسة لم تكُن بلا نتائج. فهل قيدت تهديدات ترمب سلوك السلطات الإيرانية؟ وهل يمكن، مهما بدا ذلك مستبعداً من منظور غربي، أنها دفعتها إلى تخفيف استخدامها للقوة خشية العواقب المحتملة؟ وإذا كان الأمر كذلك، فهل يكون ترمب أنقذ فعلاً بعض من اعتُقلوا من الإعدام؟ في هذه الحالة، سيصبح من الصعب على إيران الآن الشروع في تنفيذ إعدامات، في ظل التصريحات العلنية المباشرة التي أدلى بها وزير خارجيتها على شاشات التلفزيون الأميركي، إلا إذا ظهرت دلائل صريحة على وجود انقسامات عميقة داخل القيادة الإيرانية.
ومن المحتمل أن يكون السبب الأهم أن ترمب، على رغم كل خطابه التصعيدي العلني، يتصرف في جوهره بعقلية براغماتية. فأدرك أن التدخل في نزاع لا يزال في أساسه شأناً داخلياً، وإن كان يقترب من التحول إلى ثورة، قد يفضي إلى عواقب وخيمة وغير محسوبة في بلد كبير شديد المركزية الإدارية. وفي مثل هذه الظروف، فإن أقصى ما يمكن تحقيقه في هذه المرحلة هو كبح القمع، ولو بقدر محدود.
ويتسق هذا التقدير مع موقف ترمب المعلن الذي لا يخفي ازدراءه للتدخلات الأميركية في العراق وليبيا وأفغانستان. أما العمليات التي نفذها، سواء خلال ولايته الأولى أو اليوم، فجاءت محدودة النطاق ومحسوبة بعناية: من اغتيال قاسم سليماني، قائد أحد أفرع الحرس الثوري الإيراني، عام 2020، إلى إخراج نيكولاس مادورو من فنزويلا، مروراً بسلسلة من الغارات الجوية. وهي جميعها تحركات اختيرت لأنها قابلة للتنفيذ، ولأن مكاسبها المتوقعة تفوق أخطارها.
ترمب عن بهلوي: لست متأكداً من قبول الإيرانيين له
ويمكن أن نلاحظ أيضاً أن ترمب، على رغم كل خطاباته الرنانة، لم يدخل في تغيير مباشر للنظام. ففي فنزويلا، اكتفت الولايات المتحدة حتى الآن بالإطاحة برأس النظام من دون إسقاط النظام نفسه.
وفي كل ما قاله ترمب عن إيران، كان حريصاً على عدم الانضمام إلى الدعوات المطالبة بإعادة النظام الملكي، على رغم أن هذا المطلب يرفعه بعض المتظاهرين، ويطالب به أيضاً وريث الشاه الراحل، رضا بهلوي، من منفاه. وقال ترمب صراحة إنه يشك بحجم الدعم الذي يحظى به بهلوي – وهو السبب نفسه الذي استند إليه لعدم استبدال مادورو بزعيمة المعارضة الحائزة على “جائزة نوبل”، ماريا كورينا ماتشادو.
وربما تكون اعتبارات القدرة على التنفيذ مقابل الأخطار هي التي دفعت ترمب إلى توخي الحذر في شأن تقديم مزيد من الدعم العسكري الأميركي لأوكرانيا.
من الممكن أن يبدو ترمب مغامراً، لكن وصفه لنفسه بأنه صانع صفقات ربما يكون أقرب إلى الواقع. وهذا لا يعني أن الولايات المتحدة لن تتدخل في إيران مستقبلاً، لكن أية خطوة من هذا القبيل ستعتمد على حساب دقيق لاحتمالات النجاح وإمكان انتقال السلطة بطريقة منظمة، وعلى تجنب أي تورط عسكري بري.
ولعل الاعتبارين التاليين يقومان بدور أيضاً: أولاً، قرب موعد انتخابات التجديد النصفي للكونغرس، إذ أن يكون الاستعراض الناجح (مادورو) مفيداً، فيما يشكل التدخل الفوضوي (في إيران) مخاطرة كبيرة؛ وثانياً، الديناميات الإقليمية، في ظل محاولة الولايات المتحدة الانتقال إلى المرحلة الثانية من خطتها للشرق الأوسط.
وعندما يتعلق الأمر بالسياسة الخارجية الأميركية، ربما يجدر بنا أن نحاول النظر إلى ما وراء تصريحات دونالد ترمب المدوية التي يكتبها بأحرف كبيرة، كي نتبين الحسابات الدقيقة والدبلوماسية الأكثر رصانة التي قد تكمن وراءها.
© The Independent
نهج الإرباك: الوجه الجديد لسياسة واشنطن تجاه إيران

التعليقات معطلة.
