قسد.. تغيّرت المعادلة فانقلب المشهد ضدها

19





 

 حسن فليح / كاتب ومحلل سياسي 

داعش: من أطلق سراحهم؟ ومن سيتعرّض لهم؟

لم تعد معادلة الشمال السوري كما كانت. فالقوة التي شُيِّدت بوصفها “حارسًا” ضد عودة تنظيم داعش، تجد نفسها اليوم في قلب سؤال معاكس: هل تحوّلت من سدٍّ أمني إلى عبءٍ سياسي وأمني؟ ومع تبدّل موازين القوى الإقليمية والدولية، بات المشهد أكثر قسوة على “قسد”، لا بسبب خصومها التقليديين فقط، بل بفعل تغيّر وظيفة التنظيمات المتطرفة داخل الحسابات الكبرى.
انكسار الوظيفة القديمة
لسنوات، استمدّت “قسد” شرعيتها من دورٍ واحد: محاربة داعش وتأمين السجون والمخيمات. لكن هذه الوظيفة ارتبطت بمرحلة دولية محددة، حين كان “الخطر الداعشي” أولوية جامعة. اليوم، ومع انشغال القوى الكبرى بملفات أعقد، لم يعد هذا الدور كافيا لتأمين الغطاء السياسي والعسكري ذاته. فحين تتغير الأولويات، تُعاد قراءة الأدوات.
سؤال السجون: ثغرة أم رسالة؟
الهروب المتكرر، وحالات “الإفراج الغامض”، والتراخي الأمني في إدارة آلاف المعتقلين الدواعش، لم تعد حوادث معزولة. السؤال لم يعد: هل تملك قسد القدرة؟ بل: هل ما يجري ناتج عجز أم قرار؟
في لحظات التحوّل الكبرى، يُعاد توظيف الفوضى. إطلاق عناصر داعش ٫ أو التغاضي عن تسللهم قد يكون رسالة ضغط متعددة الاتجاهات: على دمشق، على أنقرة، وحتى على واشنطن نفسها. لكن اللعب بهذه الورقة مكلف؛ لأنها لا تُدار من طرف واحد.
داعش كأداة بلا ضمانات
التاريخ القريب يقول إن التنظيمات المتطرفة لا تبقى أداة بيد من يستخدمها طويلًا. فحين تُطلق من القفص، تعضّ يد من فتح الباب. إذا كان ثمة من يعتقد أن إعادة تحريك داعش ستعيد تثبيت “قسد” كضرورة أمنية، فهو يغامر بعكس النتيجة: فوضى تُسقط الذريعة بدل أن تعزّزها.
من سيتعرّض لهم؟
المفارقة أن أول من سيدفع الثمن هم من سهّلوا الحركة أو غضّوا الطرف. فالتنظيم، حين يستعيد أنفاسه، لا يميّز بين خصمٍ وحليفٍ سابق. مناطق النفوذ الهشّة، والسجون المكتظة، والمخيمات القابلة للاشتعال، كلها مسارح محتملة لانفجار أمني يبدأ محدودًا وينتهي بتفكيك السيطرة.
تبدّل الموقف الدولي
المزاج الدولي يتّجه نحو “حلول دولة” لا “إدارات أمر واقع”. ومع أي انسحاب أو إعادة تموضع أميركي، تصبح الكيانات التي لم تُحوِّل قوتها العسكرية إلى مشروع سياسي دستوري عرضة للتآكل السريع. هنا تحديدًا تبدو “قسد” عالقة بين بندقية بلا أفق، وملف أمني لم يعد مُقنعًا.

تغيّرت المعادلة، فانقلب المشهد. الرهان على داعش كفزاعةٍ دائمة خاسر، وإدارة الفوضى ليست سياسة مستدامة. من أطلق سراحهم , بالفعل أو بالإهمال ٫ قد يكتشف قريبًا أن السؤال الأخطر ليس: كيف نُخيف الآخرين؟ بل: كيف نمنع ارتداد الخطر علينا؟
في لحظات التحوّل، تُكشَف الكيانات التي قامت على وظيفة مؤقتة. ومن لا يلتقط الإشارة مبكرًا، يدفع ثمنها مضاعفًا.

التعليقات معطلة.