بوتين والشرع: حليف طازج في اختبار المصالح… لا في خانة التنصّل

9





 

كاتب ومحلل سياسي / حسن فليح 

في السياسة الدولية، لا تكفي الشعارات ولا التحالفات المعلنة لضمان الاستمرارية، لكن من الخطأ أيضًا القفز إلى استنتاجات متسرعة. زيارة الرئيس السوري أحمد الشرع إلى موسكو، ولقاؤه المباشر مع الرئيس فلاديمير بوتين، تفرض إعادة قراءة أعمق للمشهد، بعيدًا عن منطق “التنصل” السريع، وقريبا من فهم مرحلة الاختبار وإعادة التموضع المتبادل.

على عكس بشار الأسد في سنواته الأخيرة، لا يأتي الشرع إلى موسكو بوصفه عبئًا أو ورقة مستهلكة. الرجل يحظى اليوم بدعم خليجي واضح، وغطاء غربي متقدم، وعلى رأسه دعم الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الذي يرى في الشرع فرصة لإعادة ترتيب الملف السوري خارج القوالب التقليدية. هذا الدعم يجعل من الشرع “حليفًا طازجًا” في الحسابات الدولية، لم تُستنزف أوراقه بعد، ولم تتحول كلفته السياسية إلى عبء على داعميه.

من هذا المنطلق، فإن استقبال موسكو للشرع لا يُقرأ كحالة مساومة أو بحث عن بديل، بل كرسالة مزدوجة: أولًا، أن روسيا لا تزال لاعبًا لا يمكن تجاوزه في سوريا، مهما تبدلت التحالفات. وثانيًا، أن الكرملين يسعى لاختبار إمكانية التعايش مع معادلة جديدة، يكون فيها الشرع جزءًا من توازن دولي أوسع، لا تابعًا حصريًا لمحور واحد.

بوتين، الذي خبر جيدًا كلفة الارتهان لشخصيات فقدت شرعيتها الإقليمية والدولية، بات أكثر حذرًا في إدارة تحالفاته. لكنه في الوقت نفسه براغماتي إلى حد يسمح له بالانفتاح على حليف مدعوم من خصومه، طالما أن ذلك لا يهدد المصالح الروسية الجوهرية: القواعد العسكرية، النفوذ في شرق المتوسط، ودور موسكو كرقم صعب في أي تسوية نهائية.

الفرق الجوهري هنا أن الشرع لا يأتي إلى موسكو من موقع الضعف، بل من موقع من يملك بدائل. الدعم الخليجي والغربي يمنحه هامش مناورة واسع، ويجعل العلاقة مع روسيا قائمة على “توازن مصالح” لا على حماية قسرية كما كان الحال مع الأسد. وهذا ما يفسر نبرة موسكو الهادئة، الخالية من الشعارات الأيديولوجية، والمركزة على الواقعية السياسية.

لكن، ورغم ذلك، تبقى القاعدة الذهبية في سياسة بوتين ثابتة: لا ضمانات دائمة. الحليف، مهما كان طازجا وقوي الدعم، يبقى في دائرة التقييم المستمر. الزيارات واللقاءات رفيعة المستوى لا تعني صك تحالف أبدي، بل اختبار نيات وقدرة على التكيف مع المتغيرات

 أن موسكو اليوم لا تتنصل من الشرع، كما فعلت تدريجيا مع الأسد، لكنها تضعه في ميزان المصالح الباردة. هو حليف قيد الاستثمار، لا ورقة محروقة ولا ضمانة مطلقة. وفي شرق أوسط يعاد تشكيله، من ينجح هو من يفهم هذه القاعدة: الدعم يمنح فرصة، لكنه لا يمنح حصانة.

التعليقات معطلة.