عراقجي يتنازل عن النووي… لكن أصل الحكاية في مكان آخر

11





 

 

حين يعلن وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي الاستعداد للتخلي عن امتلاك السلاح النووي مقابل رفع العقوبات، فإن الحدث لا يستحق الاحتفاء بقدر ما يستوجب الشك. ليس لأن التنازل غير مهم، بل لأن النووي لم يكن يوما أصل الحكاية، بل مجرد أحد أعراضها.

الحكاية الحقيقية أعمق وأكثر إرباكا،

نظام سياسي يعيش خارج زمنه، ويحاول عبثا التكيف مع شرق أوسط لم يعد يشبه البيئة التي وُلد فيها قبل أربعة عقود.

النووي، منذ بدايته، لم يكن مشروع أمن قومي بقدر ما كان أداة تفاوض وابتزاز وبقاء. كلما ضاق الخناق، ارتفعت نسبة التخصيب، وكلما اقتربت الضربة، فُتحت نوافذ “المرونة”. لعبة مكرورة بات العالم يحفظ إيقاعها، ولم تعد قادرة على إنتاج المفاجأة.

لكن المشكلة اليوم أن الزمن تغيّر .

الشرق الأوسط الذي كان يحتمل الأنظمة العقائدية المغلقة، ويتعايش مع الفوضى المنظمة، يتفكك ويُعاد تركيبه على أسس مختلفة: دولة، اقتصاد، استقرار، ومصالح مباشرة. لم تعد الشعارات عملة سياسية، ولم يعد “تصدير الثورة” خطابا قابلا للتسويق، ولم تعد الأذرع المسلحة ورقة رابحة كما كانت.

في هذا السياق، يبدو تصريح عراقجي أقل من كونه مبادرة، وأكثر من كونه إقرارا متأخرا بالعزلة.

إيران اليوم لا تواجه عقوبات فقط، بل تواجه تآكلا في صلاحية نموذجها السياسي. نموذج يقوم على إدارة الأزمات لا حلّها، وعلى خلق الخصوم لا بناء الشراكات، وعلى البقاء عبر التوتر لا عبر التنمية.

ثم إن رفع العقوبات، كما يُروج له ، ليس زرا سحريا.

العقوبات ليست نووية فقط، بل مرتبطة بسلوك إقليمي، وصواريخ، وميليشيات، وانتهاكات، واقتصاد ظلّ. أي أن التنازل عن النووي، حتى لو كان حقيقيا، لا يعالج جوهر الأزمة، بل يلامس سطحها.

الأخطر أن النظام الإيراني ما زال يتصرف بعقلية التسعينيات في عالم دخل عقدا جديدا.

يتفاوض بعقل الحصار، بينما المنطقة تتجه إلى منطق الاندماج.

يراهن على الوقت، بينما الوقت لم يعد يعمل لصالحه.

ويحاول شراء الشرعية الخارجية بتنازلات تكتيكية، بدل إنتاج شرعية داخلية حقيقية.

لهذا، فإن السؤال لم يعد،

هل تتخلى إيران عن السلاح النووي؟

بل: هل تستطيع إيران أن تتخلى عن نموذجها السياسي القديم؟

شرق أوسط جديد يتشكل، بقواعد جديدة، وأولوياته واضحة . الاستقرار ، الاقتصاد ، الدولة .

وهذا الشرق الأوسط لا يحتاج إيران ضعيفة أو محاصَرة، لكنه أيضا لا يقبل إيران العقائدية التي تعيش على حافة الأزمات.

باختصار شديد ،

التنازل عن النووي قد يكون بداية تفاوض،

لكنه ليس بداية حل.

فالحل الحقيقي يتطلب إيران جديدة…

أما إيران القديمة، فقد أصبحت خارج الزمن السياسي، مهما رفعت من شعارات أو خفّضت من نسب التخصيب .

التعليقات معطلة.