مازن النجار
باحث في التاريخ والاجتماع.
الرئيس الأمريكي دونالد ترمب (وكالات)
تتضاءل القوة الأمريكية مع تضافر عوامل التوسع الإمبراطوري المفرط، وفقدان ضبط النفس، والفشل العسكري، وانهيار الهيبة والمكانة، لتشكل انحدارا بنيويا تنبأت به نظرية الواقعية البنيوية منذ زمن طويل.
مستقبل الغرب وحضارته ومكانته العالمية وهيمنته الإمبريالية على العالم والنظام العالمي، ورؤيته الكونية وعالميته الثقافية والفكرية، شغلت مفكرين وفلاسفة وسياسيين، غربا وشرقا؛ على الأقل، منذ صدور كتاب الفيلسوف الألماني، أوزوالد شبنغلر، بعنوان: “سقوط الغرب”، في صيف 1918، عشية انتهاء الحرب العالمية الأولى بأهوالها وبشاعتها وتداعياتها.
لاحقا، امتد نقاش المفكرين إلى مآلات ومستقبل القوة الأمريكية، الركيزة الرئيسية لقوة الغرب الآن، وآفاق أفولها أو استمرارها بناء على تحليل عوامل القوة ومصادرها وبنيتها، ومسارات تآكلها وتدهورها أو تعزيزها.
ضمن النماذج التفسيرية الفاعلة في هذا المجال، تعد “مدرسة الواقعية البنيوية”، نظرية رئيسية في العلاقات الدولية، ترى أن البنية الفوضوية للنظام العالمي، وليس الطبيعة البشرية أو الأيديولوجيا، هي محرك سلوك الدول، مما يؤدي لتنافس وصراع أمني دائمين، حيث تعطي الدول الأولوية للبقاء في عالم قائم على الاعتماد على الذات.
ويركز هذا النهج على توزيع القوة، فالنظام الدولي ثنائي القطب مثلا، (المكون من قوتين عظميين) أكثر استقرارا من الأنظمة متعددة الأقطاب، ويفسر ظواهر مثل التنافس الأمريكي الصيني من خلال الضغوط النظامية لتحقيق توازن القوى.
تراكم القوة بما يتجاوز ضرورات الدفاع، يصبح استخدامها ضرورة بذاتها. بمرور الوقت، يصبح هذا الدافع لبسط القوة والنفوذ بالخارج غير ممكن الاستدامة. تتراكم التكاليف، وتشتد المقاومة، وتتآكل الأسس الداخلية، ويبدأ الانحدار، ليس فجأة، بل بنيويا
في ضوء هذه الرؤية، نُشرت مؤخرا دراسة لعالم السياسة الأمريكي البارز جون ميرشايمر، والفيلسوف السياسي الأمريكي بول غرينييه، والمفكر الأيرلندي شين فيتزجيرالد.
يتذكر أحدهم ندوة دراسات عليا في نظرية العلاقات الدولية حضرها بجامعة كولومبيا أوائل الألفية الثانية. كان يدرسها البروفيسور الراحل كينيث والتز، أحد أبرز عقول السياسة الدولية في القرن العشرين، ورائد مدرسة الواقعية البنيوية.
البنية والقوة وحدودها
وهو يتذكر المكان جيدا. كان الوقت متأخرا من عصر أحد أيام شهر مارس/آذار، وقد بدأ ضوء النهار يخفت. جلس ثمانية طلاب متقاربين حول الأستاذ الجليل، يستمعون إليه وهو يتحدث دون استخدام مسودات أو مذكرات، وبأسلوب بسيط.
إعلان
كان النقاش جادا وهادئا ومتأنيا. تعمقنا في أفكاره، التي تركز على البنية لا النية، وعلى القوة لا الخطاب، وعلى حدود القوة لا الطموح. وتناول بالتفصيل القضايا الكبرى المتعلقة بالنظام الدولي الناشئ بعد أحداث 11 سبتمبر/أيلول، وأزمات تلك الحقبة.
كان ذلك في أوائل عام 2003. كانت القوات الأمريكية متمركزة في أفغانستان، وكان غزو العراق وشيكا. ورغم أن قلة فقط أدركت ذلك، فإن حدود القوة الأمريكية كانت على وشك أن تختبر. وقفت الولايات المتحدة عند ما اعتبره الكثيرون ذروة التاريخ، منتصرة بعد الحرب الباردة، لا ينافسها أحد، ومقتنعة بأنها تعيش ما أسماه تشارلز كروتهامر “لحظة الأحادية القطبية”.
مع ذلك، لم يبدِ والتز أي انبهار. وبهدوئه المعهود، حذر من أن الإمبراطوريات لا تنهار لضعفها، بل لأنها تصبح بالغة القوة. وجادل بأن الإمبراطورية كيان يراكم قوة هائلة تجعله مضطرا باستمرار للبحث عن ساحات خارجية لبسط نفوذه.
فتراكم القوة بما يتجاوز ضرورات الدفاع، يصبح استخدامها ضرورة بذاتها. بمرور الوقت، يصبح هذا الدافع لبسط القوة والنفوذ بالخارج غير ممكن الاستدامة. تتراكم التكاليف، وتشتد المقاومة، وتتآكل الأسس الداخلية، ويبدأ الانحدار، ليس فجأة، بل بنيويا.
استعرض والتز تاريخ الإمبراطوريات: المغول، والرومان، والعثمانيين، وبريطانيا، والسوفيات. كل منهم اعتقد أنه استثنائي، وأن هيمنته تعكس ديمومة لا ظرفا عابرا. كل منهم اندثر تاريخيا بنهاية المطاف. وحذر والتز آنذاك من أن الولايات المتحدة لن تكون استثناء! بعد عقدين ونيف، يبدو تحذيره تشخيصا أكثر منه تنظيرا.
الإمبراطورية والتوسع المفرط ومنطق الانحدار بنيويا
لا تسقط الإمبراطوريات بين عشية وضحاها. انحدارها تفكك تدريجي لركائزها الحيوية الاقتصادية الأساسية، والتماسك السياسي، والمصداقية العسكرية، والشرعية الأخلاقية. تعلمنا الواقعية أن الانحدار في المقام الأول ليس فشلا أخلاقيا، بل بنيويا.
عبر بول كينيدي عن هذا بوضوح “مرعب” في كتابه الرائد: “صعود وسقوط القوى العظمى” (1988). تقول أطروحته الأساسية حول “التوسع الإمبراطوري المفرط” إنه عندما تتجاوز التزامات الدولة العسكرية قدرة قاعدتها الاقتصادية على تحملها، يصبح الفشل الإستراتيجي حتميا. فالقوة العسكرية لا يمكنها التعويض عن الصحة الاقتصادية الداخلية للأبد. وفي نهاية المطاف، يفرض اختلال التوازن نفسه.
تكمل واقعية والتز “البنيوية” تحليل كينيدي “المادي” للقوة الإمبراطورية. فنظام تهيمن عليه دولة واحدة يصبح مضطربا ليس لأن الآخرين عدوانيون، بل لأن القوة نفسها تستدعي المقاومة.
وكما لاحظ والتز، فإن اختلال توازن القوى لا يترك للدول الأضعف خيارا سوى التوحد ضد الدولة المهيمنة. فالهيمنة، بهذا المعنى، تزرع بذور انكشافها. من فيتنام إلى العراق، ومن ليبيا إلى أفغانستان، كان النمط الأمريكي ثابتا في نشر قوة ساحقة؛ سعيا وراء نتائج سياسية لا يمكن استدامتها.
من النفوذ إلى الاستحواذ: فنزويلا نقطة تحول
إذا كان لا يزال ممكنا تأطير التجاوزات الأمريكية السابقة، رغم عدم معقوليتها، كمحاولات مضللة للحفاظ على النظام، فالتطورات الأخيرة تشير إلى تحول نوعي.
إعلان
لا يمثل اعتقال الولايات المتحدة الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو مجرد تدخل آخر، بل هو انتقال من النفوذ إلى الاستحواذ. وقد أقر الرئيس دونالد ترمب نفسه بهذا التحول صراحة.
ففي المؤتمر الصحفي الذي أعقب اختطاف مادورو، صرح بوضوح أن الولايات المتحدة سوف “تدير” فنزويلا. لا تكمن جرأة هذا التصريح في عدوانيته فحسب، بل في صراحته أيضا. فلا وجود لأي تظاهر بالتعددية، ولا استناد للقانون الدولي، ولا ادعاء بالضرورة الإنسانية. إنها الإمبراطورية تتحدث بوضوح.
ولم تقتصر تهديدات ترمب على فنزويلا، بل لوح علنا أو هدد باتخاذ إجراءات قسرية ضد عدة دول ذات سيادة: كولومبيا، والمكسيك، وكوبا، وإيران، ونيجيريا، والدانمارك (عبر غرينلاند)، وفنزويلا نفسها. ليس هذا مجرد تجاوز خطابي، بل صراحة عقائدية، حيث السيادة مشروطة بإقرار أمريكا، وبات استخدام القوة روتينا.
مبدأ دونرو والإطباق على نصف الكوكب
مضى ترمب أبعد من ذلك، فأعاد تسمية “مبدأ مونرو” صراحة إلى “مبدأ دونرو”. مبدأ مونرو الأصلي، بكل دلالاته الإمبريالية، تمت صياغته دفاعيا كتحذير من إعادة استعمار أوروبا للأمريكتين. أما “مبدأ دونرو” فيزيل حتى ورقة التوت تلك.
فهو يؤكد أن نصف الكوكب الغربي ليس مجرد منطقة نفوذ، بل هو مجال أمريكي حصري، ستمنع فيه واشنطن المنافسين من خارجه، وحددتهم الإدارة صراحة بالصين، وروسيا، من إمكانية نشر قواتهم أو السيطرة على أصول إستراتيجية.
في مواجهة تراجع نفوذها وتأثيرها عالميا، تحاول الولايات المتحدة إحكام قبضتها على ما تعتقد أنها -لا تزال- تستطيع الهيمنة عليه بشكل مطلق: أي جوارها القريب. وهذا ليس سلوك قوة مهيمنة واثقة، بل سلوك قوة تعزز خطوطها الحمراء الإمبريالية مع ضعف محيطها الخارجي.
والأهم أن تدعيم النفوذ في نصف الكوكب لا يعني بالضرورة تراجع المطامح الأمريكية تجاه روسيا، والصين، بل هو العكس تماما. فمع تراجع أولوية أوروبا على الصعيد الخطابي، تظل أمريكا ملتزمة باحتواء روسيا، والصين معا، رغم تناقض ذلك بنيويا.
تمتلك روسيا والصين قوة عسكرية هائلة بمناطق حيوية لأمنهما: المجال الجيوسياسي لما بعد الاتحاد السوفياتي بالنسبة لروسيا، وغرب المحيط الهادئ بالنسبة للصين. تتوقع الواقعية البنيوية أن القوى الكبرى ستخوض أشد المعارك، وأكثرها نجاحا، في مثل هذه الجبهات تحديدا.
وقد تنبأ بهذا المنطق جورج كينان، مهندس إستراتيجية الاحتواء الأمريكية خلال الحرب الباردة، الذي حذر عام 1997 من أن توسع حلف الناتو سيكون “الخطأ الأكثر فتكا في السياسة الأمريكية في حقبة ما بعد الحرب الباردة بأكملها”، وذلك لأن هذا التوسع تحديدا تجاهل كيفية استجابة القوى العظمى عندما تتعرض مصالحها الأمنية الأساسية للتحدي.
ويعد انتصار روسيا الوشيك في حرب (بالوكالة) تقودها الولايات المتحدة بأوكرانيا، مثالا واضحا على هذا المبدأ. مع ذلك، تستمر الإستراتيجية الأمريكية في تحدي روسيا، والصين بمناطق نفوذهما الأساسية، بينما تؤكد هيمنتها المطلقة في نصف الكوكب الغربي. هذا ليس منطق توازن القوى، بل هو إنكار إمبريالي للواقع.
قوة عسكرية بدون انتصار إستراتيجي
لا تزال الولايات المتحدة تمتلك موارد عسكرية لا مثيل لها: مئات القواعد العسكرية الخارجية؛ وميزانية دفاعية تتجاوز ميزانيات الدول العشر التالية مجتمعة؛ وتفوقا تكنولوجيا بمجالات متعددة من الضربات الدقيقة والمراقبة العالمية إلى الفضاء السيبراني والفضاء الخارجي. وبأي مقياس مادي، تبقى القوة العسكرية الأمريكية هائلة. ومع ذلك، تعجز القوة المقاسة بالعتاد العسكري باطراد عن أن تترجم لنجاح إستراتيجي.
لم يعد التناقض بين القدرة العسكرية الأمريكية والنتائج الإستراتيجية تناقضا نظريا، بل واقعا مجربا. فقد هُزمت الولايات المتحدة بفيتنام، رغم تفوقها التكنولوجي الساحق. وفي كوريا، دفع التدخل الصيني القوات الأمريكية إلى خط العرض (38)، مما فرض جمودا إستراتيجيا لا يزال قائما حتى اليوم.
إعلان
وفي أفغانستان، صمدت حركة طالبان أمام أقوى تحالف عسكري في القرن الحادي والعشرين، وهزمته، لتخرج منتصرة بعد عقدين من الاحتلال. في الآونة الأخيرة، أجبر الحوثيون في اليمن، وهم حركة ذات تسليح خفيف، البحرية الأمريكية على اتخاذ تموضع دفاعي، مما أدى لتعطيل الملاحة العالمية، وكشف حدود القوة القسرية الأمريكية حتى في البحر.
العراق وأفغانستان
لا مكان تجلى فيه هذا الفشل بشكل أوضح وأشمل من العراق وأفغانستان، وهما حربان استنزفتا معا أكثر من 6 تريليونات دولار وانتهتا بهزيمة إستراتيجية.
في كلتا الحالتين، حققت الولايات المتحدة تفوقا تكتيكيا ساحقا من خلال انهيار النظام سريعا، وسيادة ميدانية، وسيطرة جوية مطلقة، لتكتشف لاحقا أن كل ذلك لم يسفر عن نتائج سياسية مستدامة. لم تستطع القوة النارية تعويض التناقض السياسي، أو الجهل الثقافي، أو غياب أهداف إستراتيجية قابلة للتحقيق. تم تعريف النصر عملياتيا، لكنه لم يحسم سياسيا.
وقد أدرك هذا الفشل حتى النظام الذي أطاحت به الولايات المتحدة حينها في العراق. فبحسب جون نيكسون، محلل وكالة الاستخبارات المركزية الذي استجوب صدام حسين بعد القبض عليه، قال الزعيم العراقي بصراحة: “ستكتشفون أن حكم العراق ليس أمرا هينا… ستفشلون في العراق لأنكم لا تعرفون اللغة، ولا التاريخ، ولا تفهمون العقل العربي”.
كانت هذه ملاحظة واقعية، وليست ثقافية. فالقوة الغاشمة لا تغني عن الشرعية السياسية، أو المعرفة المحلية، أو التماسك المجتمعي.
لم يكن الانسحاب الفوضوي من كابل في أغسطس/آب 2021 مجرد إحراج لوجيستي أو فشلٍ في التنفيذ، بل كان تأكيدا رمزيا على الإرهاق الإمبراطوري. فبعد عشرين عاما من الاحتلال، انسحبت أقوى قوة عسكرية في العالم من بلد فشلت جوهريا في إعادة تشكيله، تاركة وراءها نظاما سياسيا انهار فورا بمجرد انسحاب القوات الأمريكية.
وقد جسدت هذه الحادثة حقيقة أعمق، وهي أن القدرة القسرية دون شرعية سياسية لا تنتج إلا امتثالا مؤقتا، لا سيطرة دائمة.
في الحالتين، لم يقاتل الطرف الأضعف لتحقيق مكاسب، بل لأجل البقاء- وهو تمييز حاسم في التاريخ. والدرس المستفاد هنا ليس أن القوة الأمريكية ضعيفة، بل القوة وحدها لا تحدد النتائج عندما يصبح الصراع وجوديا بالنسبة للطرف الأضعف.
فعندما تكون السيادة والكرامة والبقاء على المحك، أظهرت الشعوب الأقل حظا ماديا مرارا وتكرارا استعدادا لتحمل تكاليف تعجز الإمبراطوريات “الليبرالية” ما بعد الصناعية، بنيويا وسياسيا، عن تحملها. غالبا ما يتفوق الزمن والصبر والتماسك الاجتماعي على التكنولوجيا عندما تتحول الحرب إلى صراع على البقاء لا على المكاسب.
يظهر التاريخ أن الإمبراطوريات الآخذة في الانحدار غالبا ما تضاعف جهودها العسكرية، ليس لأن الحرب تجدي نفعا، بل لأن البدائل قد ضاقت عليها.
فعندما تفقد الدبلوماسية مصداقيتها، ويصبح الإصلاح الداخلي مستحيلا سياسيا، تصبح القوة هي الأداة الافتراضية. وكما أوضح أستاذ العلاقات الدولية بجامعة بوسطن والكولونيل المتقاعد في الجيش الأمريكي، أندرو باسيفيتش، باتت الولايات المتحدة تعتمد بشكل متزايد على القوة العسكرية بديلا عن الإستراتيجية، فتخلط بين النشاط والغاية، وبين الحركة والاتجاه.
هذا الإدمان على القوة لا يحافظ على الإمبراطورية، بل يسرع انهيارها باستنزاف الموارد، وتصلب المقاومة، وتقويض الشرعية في الداخل والخارج.
وبهذا المعنى، تشبه الهيمنة العسكرية الأمريكية اليوم هيمنة إمبراطوريات أخرى بمراحلها الأخيرة: مهيبة في مظهرها، لا مثيل لها في حجمها، لكنها تتراجع فاعليتها باطراد في التأثير على النتائج المهمة. لا تزال القوة هائلة، لكن عوائدها تتضاءل وتكاليفها تتراكم.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.
العملاق الأمريكي في لحظة السقوط

التعليقات معطلة.
