بعد أكثر من عقدين على التحول السياسي الكبير الذي شهده العراق عام 2003، ما زال سؤال الدولة المستقرة معلقاً دون إجابة واضحة. خلال هذه السنوات تعاقبت الحكومات، تبدلت التحالفات، أُجريت انتخابات متعددة، وصدر دستور جديد، لكن النتيجة العامة بقيت شبه ثابتة: دولة تعاني من عدم الاستقرار المزمن، ومجتمع تتزايد فيه مشاعر الإحباط، ونظام سياسي يجد صعوبة متكررة في إنتاج حلول مستدامة لأزماته المتلاحقة.
هذا الواقع يقود إلى سؤال جوهري لا يمكن تجاهله:
لماذا فشل النظام السياسي في بناء دولة مستقرة في العراق؟
غالباً ما يجري تفسير هذا الفشل عبر الإشارة إلى أخطاء الحكومات، أو ضعف بعض القيادات، أو انتشار الفساد الإداري والمالي. وهذه عوامل حقيقية لا يمكن إنكارها. غير أن الاكتفاء بهذه التفسيرات يظل قراءة سطحية لأزمة أعمق بكثير. فالمشكلة في العراق لا تتعلق فقط بأداء الحكومات، بل بطبيعة النظام السياسي الذي تشكل بعد عام 2003 والبيئة التي نشأ فيها.
لقد تأسس النظام الجديد في سياق استثنائي اتسم بانهيار الدولة السابقة، وتصاعد الانقسامات المجتمعية، وتداخل العوامل الإقليمية والدولية في رسم ملامح المرحلة الجديدة. وفي ظل هذه الظروف المعقدة، كان الهدف الأول للنظام الناشئ هو إدارة التوازنات ومنع الانهيار أكثر من بناء دولة مؤسسية مستقرة.
ومن هنا نشأت معادلة سياسية تقوم على تقاسم السلطة بين القوى المختلفة بدلاً من بناء نظام سياسي قادر على إنتاج قرار وطني موحد. هذه المعادلة ساعدت في احتواء صراعات مباشرة في بعض المراحل، لكنها في الوقت نفسه أنتجت بنية سياسية هشة يصعب عليها تطوير نفسها أو تجاوز أزماتها.
ومع مرور الوقت، تحولت هذه الصيغة إلى نمط دائم للحكم، حيث أصبحت إدارة التوازنات هدفاً بحد ذاته، بينما تراجع مشروع بناء الدولة إلى مرتبة ثانوية. وفي ظل هذه المعادلة، تداخلت السياسة مع الاقتصاد الريعي القائم على عائدات النفط، مما أعاد تعريف الشرعية السياسية بوصفها قدرة على توزيع الموارد والمنافع، لا بوصفها قدرة على بناء مؤسسات قوية أو تحقيق تنمية مستدامة.
في المقابل، لم يكن المجتمع العراقي غائباً عن إدراك هذه الأزمة. فقد شهدت البلاد موجات متتالية من الاحتجاجات الشعبية، بلغت ذروتها في حراك تشرين، الذي عبّر عن وعي اجتماعي متقدم بضرورة استعادة الدولة وإعادة تعريف العلاقة بين السلطة والمجتمع.
غير أن هذه الاحتجاجات، رغم قوتها الأخلاقية والاجتماعية، واجهت صعوبة كبيرة في التحول إلى مشروع سياسي منظم قادر على إنتاج بديل مستقر. وهنا تظهر مفارقة لافتة في التجربة العراقية:
فالمجتمع أظهر قدرة متزايدة على تشخيص الأزمة، بينما بقي النظام السياسي عاجزاً عن إنتاج المسار الذي يعالجها.
إن فهم هذه المفارقة يتطلب قراءة أعمق لبنية النظام السياسي وآليات إنتاج السلطة فيه، وطبيعة العلاقة بين الدولة والمجتمع والاقتصاد، إضافة إلى تأثير البيئة الإقليمية والدولية في رسم حدود الممكن سياسياً.
هذه الأسئلة لا يمكن الإجابة عنها عبر مقالة واحدة أو تفسير سريع، لكنها تمثل نقطة انطلاق ضرورية لأي محاولة جادة لفهم المأزق الذي تعيشه الدولة العراقية اليوم.
ومن هنا تأتي الحاجة إلى فتح نقاش وطني هادئ ومسؤول حول مستقبل الدولة في العراق، نقاش يتجاوز السجالات اليومية ليبحث في الجذور العميقة للأزمة، وفي المسارات الممكنة للخروج منها.
وفي هذا السياق، يأتي المشروع الوطني للعراق بوصفه محاولة فكرية لفتح هذا النقاش من جديد، عبر سلسلة من الأوراق التحليلية التي تسعى إلى قراءة التجربة السياسية العراقية قراءة نقدية متأنية، تبحث في جذور الأزمة لا في مظاهرها فقط، وتستكشف السبل الممكنة لبناء دولة مستقرة قادرة على تمثيل مواطنيها وإدارة تنوعها وتحقيق مصالحها.
فالدول لا تُبنى بالشعارات، بل بالفهم العميق لمشكلاتها، وبالقدرة على تحويل هذا الفهم إلى مشروع دولة واضح المعالم.
ومن يوم غد، سنبدأ بنشر الأوراق التحليلية للمشروع الوطني العراقي بشكل تسلسلي يوميًا، لاستكشاف مسارات البناء الوطني ومناقشة البدائل مع قرائنا الأعزاء. تابعونا في هذه الرحلة نحو مستقبل العراق .

