من زرع ومن يحصد
ثمة سؤال قاسٍ يفرض نفسه على مشهد المنطقة اليوم: كيف وصلت الأمور إلى حدّ أن تُستهدف دول عربية بصواريخ وطائرات مسيّرة من دولة تقول إنها تقود مشروعاً إسلامياً في المنطقة؟ وأين ذهبت تلك الحواجز التي كان يفترض أن تمنع مثل هذا الانحدار: الدين المشترك، والجيرة الجغرافية، والتاريخ الطويل من التفاعل والمصالح المتبادلة؟
الواقع يقول إن شيئاً من ذلك لم يعد يقف عائقاً عندما تدخل الدول لعبة النفوذ. فحين يصبح الصراع على المجال والتأثير، تتراجع الشعارات الكبرى أمام الحسابات الاستراتيجية الباردة. لا تعود العناوين الدينية أو التاريخية محددات للسلوك، بل تتحول إلى أدوات خطابية، بينما تتحكم الوقائع الصلبة في مسار الأحداث.
ومن هنا تبدو المفارقة المؤلمة في هذه الحرب. فإيران، وهي تضرب أو تهدد دولاً عربية، لا تفعل ذلك دفاعاً عن الإسلام كما يقال، بل دفاعاً عن نفوذ إقليمي زرعته خلال سنوات في عدد من الساحات العربية. وفي المقابل، فإن خصومها الإقليميين والدوليين لا يتحركون بدافع حماية العرب أو إعادة التوازن إليهم، بل بدافع إعادة ترتيب ميزان القوة بما يخدم مصالحهم الخاصة.
غير أن زاوية أخرى لا تقل
أهمية تفرض نفسها أيضاً: لماذا تضرب إيران أصلاً دولاً عربية وإسلامية لا علاقة لها بالحرب؟
ان ما يجري في المنطقة ليس جولة عسكرية عابرة ولا استعراض قوة مؤقت، بل حرب نفوذ مكتملة الأركان تدور فوق أرض الشرق الأوسط وبين خرائطه السياسية الهشة. إنها مواجهة تتقاطع فيها الحسابات الدولية مع الصراعات الإقليمية، حيث تحاول القوى الكبرى إعادة رسم توازنات القوة التي اختلّت خلال العقدين الماضيين.
على مدى سنوات طويلة، عملت إيران على زرع نفوذ واسع في عدد من الدول العربية. لم يكن ذلك نفوذاً تقليدياً يقوم على العلاقات الدبلوماسية فقط، بل شبكة معقدة من التأثير السياسي والأمني والعسكري امتدت في العراق وسوريا ولبنان واليمن. هكذا بنت طهران عمقاً استراتيجياً خارج حدودها، مستفيدة من فراغ عربي كبير ومن التحولات العاصفة التي شهدتها المنطقة منذ عام 2003.
لكن ما يُزرع في السياسة لا يبقى دائماً بلا ثمن. فإسرائيل، ومعها الولايات المتحدة، تنظران إلى هذا التمدد باعتباره اختلالاً خطيراً في ميزان القوة يسمح لطهران بالاقتراب من خطوط الردع الحساسة. ومن هنا جاءت الاستراتيجية المقابلة: كبح هذا النفوذ أو تقليصه وإعادة صياغة قواعد الاشتباك معه.
بهذا المعنى، فإن الصراع الجاري ليس دفاعاً عن حدود جغرافية بقدر ما هو معركة على المجال والنفوذ. إيران تقاتل للحفاظ على شبكة التأثير التي بنتها خلال سنوات، لأنها تدرك أن خسارة هذا الامتداد الخارجي تعني تضييق هامشها الاستراتيجي وربما انكشافها داخلياً. وفي المقابل تسعى إسرائيل، بدعم أمريكي، إلى حصد نتائج هذا التمدد عبر ضرب حلقاته وإعادة ضبط ميزان الردع في المنطقة.
المعركة لا تُدار دائماً بالجيوش الثقيلة أو الحروب الشاملة. إنها تُدار بوسائل أكثر تعقيداً: ضربات محسوبة، رسائل عسكرية محدودة، ضغوط اقتصادية، وحروب ظلّ تدور في الساحات الأكثر هشاشة. إنها حرب أعصاب طويلة، تتراكم فيها الوقائع الصغيرة حتى تتحول إلى معادلة جديدة تفرض نفسها بمرور الوقت.
ولا يمكن فصل هذا الصراع عن المشهد الدولي الأوسع. فإيران ليست مجرد لاعب إقليمي، بل عقدة جيوسياسية تتقاطع عندها مصالح القوى الكبرى. الصين تنظر إليها بوصفها محطة مهمة ضمن مشروع “الحزام والطريق”، وممراً يربط آسيا بالشرق الأوسط. أما روسيا، خصوصاً بعد حرب أوكرانيا، فترى في طهران شريكاً يخفف عنها الضغوط الغربية ويوفر لها أوراقاً إضافية في لعبة التوازنات الدولية.
لذلك فإن أي محاولة لإعادة ضبط العلاقة مع إيران لا تحمل رسالة إقليمية فقط، بل رسالة دولية أيضاً: أن واشنطن لا تزال قادرة على إدارة إيقاع الشرق الأوسط ومنع تشكّل محور جيوسياسي يمتد من آسيا إلى المتوسط خارج حساباتها.
أما العرب، فهنا تكمن المفارقة الأكثر إيلاماً. فجزء كبير من هذا الصراع يدور فوق أراضيهم وداخل ساحاتهم السياسية. إيران زرعت نفوذها في عدد من الدول العربية، وإسرائيل تسعى اليوم إلى اقتلاع هذا النفوذ أو تحجيمه. وبين الزرع والحصاد يبقى العرب في كثير من الأحيان خارج معادلة الفعل الاستراتيجي.
المنطقة تُعاد صياغتها مرة أخرى، لكن بغياب مشروع عربي جامع قادر على حماية المصالح العربية أو فرض توازن مستقل. بيانات قلق، مواقف حذرة، وحسابات أمنية مفهومة، لكنها لا تشكّل رؤية استراتيجية قادرة على ملء الفراغ الذي تتنافس القوى الأخرى على ملئه.
إنها حرب نفوذ بلا أوهام. من زرع نفوذاً يسعى اليوم إلى حمايته، ومن رأى في ذلك التمدد تهديداً يحاول الآن حصاده أو تقليصه. وبين الطرفين تتشكل قواعد لعبة جديدة للمنطقة.
وعندما تهدأ هذه الجولة، لن يكون السؤال من أطلق الصاروخ الأخير، بل من نجح في إعادة رسم ميزان القوة… ومن بقي يتفرج على الخريطة وهي تتغير من حولهوعلى حسابه .

