لم يعد الخلاف السياسي بين العراقيين هو المشكلة، بل اللغة التي يُدار بها هذا الخلاف. فحين تسقط الأخلاق من الخطاب العام، يتحول النقاش إلى ساحة فوضى تكشف أزمة أعمق في بنية المجتمع نفسه.
ليست المشكلة في أن العراقيين يختلفون سياسياً حول الحرب بين الولايات المتحدة وإيران. فالخلاف السياسي، في جوهره، علامة صحة في أي مجتمع حي. المشكلة الحقيقية تبدأ عندما يفقد هذا الخلاف لغته الأخلاقية، وعندما يتحول النقاش العام إلى سيل من الشتائم والتجريح الشخصي والانحدار اللفظي الذي يكشف أزمة أعمق بكثير من مجرد اختلاف في المواقف.
ما نراه اليوم في فضاء التواصل بين العراقيين لم يعد مجرد جدل حاد، بل صورة واضحة لانهيار معايير التخاطب العام. اللغة التي كانت تضبطها قيم المجتمع، والحياء الاجتماعي، وكلمة “العيب”، أصبحت اليوم لغة منفلتة لا تعرف حدوداً. وكأن المجتمع فقد فجأة تلك الحساسية الأخلاقية التي كانت تجعل الإنسان يزن كلماته قبل أن يطلقها.
لفهم هذه الظاهرة لا بد من الاعتراف بأن العراق لم يعش خلال العقود الأخيرة ظروفاً طبيعية تسمح بتراكم هادئ للقيم الاجتماعية. لقد مر المجتمع بسلسلة طويلة من الصدمات: حروب، حصار، انهيار مؤسسات، صراعات سياسية وطائفية، وانقسام حاد في الهوية الوطنية. هذه التحولات لم تترك آثارها على السياسة فقط، بل أصابت البنية الأخلاقية للمجتمع نفسه.
وحين تتعرض المجتمعات لاهتزازات عميقة ومتكررة، تضعف تدريجياً المؤسسات غير المرئية التي تضبط السلوك العام: الأسرة الممتدة، سلطة العرف الاجتماعي، مكانة المعلم، واحترام الكلمة. وعندما تضعف هذه المؤسسات، يدخل المجتمع في ما يسميه علماء الاجتماع مرحلة الفوضى القيمية، حيث تصبح الحدود بين المقبول والمرفوض ضبابية، ويتحول الانفلات من استثناء إلى ظاهرة.
لكن المشكلة لا تتوقف عند هذا الحد.
فوسائل التواصل الاجتماعي، على الرغم من أنها فتحت فضاءً واسعاً للتعبير، خلقت أيضاً بيئة مثالية لانفلات اللغة. الإنسان حين يكتب خلف شاشة يشعر بأنه متحرر من رقابة المجتمع ومن نظرات الآخرين، فيقول ما لم يكن ليقوله وجهاً لوجه. وهنا يحدث ما يسميه علماء النفس تحلل المسؤولية الأخلاقية؛ حيث تختفي الحواجز النفسية التي كانت تضبط الكلام في الحياة اليومية.
غير أن أحد أخطر العوامل التي عمّقت هذه الأزمة هو الخطاب الإعلامي الذي تبثه بعض القنوات الفضائية. فبدلاً من أن تقوم بدور تثقيفي يرفع مستوى الوعي العام، تحولت إلى مصانع يومية لإنتاج التجهيل الجماعي. هناك قنوات لا يبدو أنها تسعى إلى إضاءة العقول بقدر ما تسعى إلى إثارة الغرائز، ولا إلى بناء وعي سياسي بقدر ما تتفنن في تسويق الانفعال والغضب.
يكفي أن يتابع المرء بعض البرامج السياسية ليكتشف حجم الكارثة. ما يُقدَّم على أنه “حوار سياسي” ليس في كثير من الأحيان سوى مسرح صاخب من الصراخ المتبادل. يجلس المتحاورون متحفزين كما لو أنهم في حلبة ملاكمة، لا في منصة نقاش. تتطاير الاتهامات، ترتفع الأصوات، ويختفي المنطق تماماً خلف ضجيج الانفعال. المشاهد لا يخرج بفكرة، بل بجرعة إضافية من التوتر والكراهية.
الأخطر من ذلك أن هذه البرامج تقدم نفسها بوصفها منابر للرأي العام، بينما هي في الحقيقة مدارس لتعليم الفوضى اللغوية والسياسية. فالمتلقي، خصوصاً الشاب، يتعلم من خلالها أن السياسة ليست نقاشاً عقلانياً بل صراعاً لفظياً، وأن قوة الحجة لا تقاس بعمق الفكرة بل بحدة الصوت.
وهكذا يتشكل وعي جديد مشوه:
سياسة بلا معرفة، نقاش بلا أخلاق، واختلاف بلا احترام.
المفارقة أن المجتمع العراقي لم يكن تاريخياً مجتمعاً فقيراً في تقاليده الأخلاقية. على العكس، كان يمتلك منظومة اجتماعية صارمة في ضبط الكلمة وصيانة الكرامة واحترام الكبير. لذلك فإن ما نراه اليوم ليس انعكاساً لطبيعة المجتمع بقدر ما هو نتيجة تراكم طويل من الصدمات السياسية والإعلامية والثقافية التي أصابت توازن القيم فيه.
ولهذا فإن السؤال الحقيقي ليس: لماذا أصبح الناس يشتمون في نقاشاتهم؟
السؤال الأعمق هو: كيف فقد المجتمع تلك الحساسية الأخلاقية التي كانت تجعل الشتيمة عيباً قبل أن تكون رأياً؟
استعادة الأخلاق في الخطاب العام لا تبدأ من مطالبة الناس بالتأدب على مواقع التواصل فقط. الأخلاق لا تُفرض بالمواعظ، بل تنمو حين تستعيد الأسرة دورها في التربية، وتعود المدرسة إلى رسالتها الثقافية، ويتحول الإعلام من منبر للتحريض إلى مساحة للتفكير، وتتحرر السياسة من خطاب الانقسام الذي يزرع الكراهية بين الناس.
فالأخلاق في النهاية ليست نصوصاً تُعلَّق على الجدران، بل مناخاً عاماً يتنفسه المجتمع.
وحين يفسد هذا المناخ…
تكون اللغة أول ما يعلن سقوطه.

