ليست كل الحروب تُخاض من أجل الحسم، وبعضها لا يُراد له أن يُحسم أصلاً. هذه هي المفارقة التي تكشفها الحرب الجارية على إيران، والتي دخلت أسبوعها الرابع دون أن تنجح القوة العسكرية الأكبر في العالم، مدعومة بإسرائيل، في إخماد أخطر ما تملكه طهران: قدرتها الصاروخية.
فعلى الرغم من التفوق الجوي المطلق، والتكنولوجيا العسكرية المتقدمة، واستهداف البنى الحيوية، لا تزال الصواريخ تنطلق، والمسيرات تعبر، والضربات تتكرر. من عمق الأراضي الإيرانية إلى أهداف بعيدة، ومن ساحات متعددة، تستمر الرسائل النارية وكأن شيئاً لم يُكسر بعد. وهذا وحده كافٍ لطرح السؤال الأكثر إلحاحاً:
هل نحن أمام عجز عن الحسم… أم أمام قرار بعدم الحسم؟
المشهد لا يوحي بحرب تقليدية تبحث عن نهاية سريعة، بل بصراع يُدار بإيقاع محسوب. ضربات موجعة، نعم، لكنها لا تصل إلى نقطة الانهيار الكامل. ردود مستمرة من الطرف الآخر، لكنها لا ترتقي إلى حرب شاملة مفتوحة. كأن الجميع يقف على حافة الهاوية… دون أن يُسمح له بالسقوط.
الولايات المتحدة وإسرائيل تدركان أن إسقاط القدرة الصاروخية الإيرانية بالكامل ليس مهمة عسكرية صِرفة، بل قرار سياسي عالي الكلفة. فالحسم الكامل يعني، بالضرورة، فتح أبواب المجهول: فوضى إقليمية، اضطراب في أسواق الطاقة، واحتمال انزلاق المنطقة إلى مواجهة لا يمكن احتواؤها. لذلك يبدو أن الهدف ليس “إنهاء إيران”، بل “إعادة تشكيل سلوكها” رغم الخلاف الاسرائيلي الامريكي في هذا الجانب ، حيث ان ترامب مع تعديل السلوك وجعل ايران دولة ضعيفة غير قادرة على تهديد احد وبلا مخالب نفوذ وانه يخشى الفوضى ما بعد السقوط. بينما نتنياهو يقود فكرة اسقاط النظام وانهائة تحت ضغط النار والتدمير .
في المقابل، تلعب إيران لعبتها المعروفة: الصمود عبر الاستنزاف. لا تبحث عن نصر حاسم بقدر ما تسعى إلى تثبيت معادلة ردع. استمرار إطلاق الصواريخ، حتى في ظل الضربات، ليس مجرد عمل عسكري، بل رسالة سياسية تقول إن القدرة لم تُكسر، وإن كلفة الحرب لن تكون من طرف واحد.
لكن ما يجعل هذه الحرب أكثر تعقيداً هو أنها لا تدور فقط بين واشنطن وتل أبيب من جهة، وطهران من جهة أخرى. هناك ظل ثقيل لقوى كبرى تراقب وتستفيد. روسيا، الغارقة في صراعاتها، تجد في استنزاف الولايات المتحدة مكسباً استراتيجياً. والصين، الحريصة على توازنات الاقتصاد العالمي، تراقب دون استعجال، مستفيدة من إرباك خصمها الأول دون أن تنخرط مباشرة في النيران.
وهنا يتسع السؤال .
هل هذه الحرب تُدار فقط ضد إيران؟ أم أنها جزء من إعادة ترتيب أوسع للمنطقة؟
الوقائع تشير إلى أن الشرق الأوسط يقف أمام لحظة إعادة تشكيل كبرى. ليس بالضرورة عبر حرب شاملة، بل عبر إعادة رسم موازين القوة، وتحديد من يملك القرار، ومن يُجبر اولا على تغيير سلوكه. وفي هذا السياق، تتحول الحرب من معركة عسكرية إلى أداة سياسية لإنتاج واقع جديد.
الأخطر في كل ذلك أن المنطقة بأكملها تبدو وكأنها تُسحب تدريجياً إلى قلب هذا الصراع. الضربات التي تطال أكثر من ساحة، والتوتر الذي يلامس أكثر من دولة، يوحيان بأن حدود الحرب قابلة للتمدد في أي لحظة. ومع ذلك، لا أحد يندفع نحو الانفجار الكبير حتى الآن .
في النهاية، قد لا يكون السؤال، متى تنتهي هذه الحرب؟
بل من يقرر لحظة نهايتها، وعلى أي صورة يريد أن يراها؟
لأن ما يجري اليوم لا يبدو كحرب لكسر الخصم فقط، بل كحرب لإعادة تعريف المنطقة بأكملها ، بالنار، ولكن بحسابات دقيقة .

