من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط: هل بدأ الحريق العالمي؟

5

منذ اندلاع الحرب بين روسيا واكرانيا
لم يعد العالم كما كان. لم تكن تلك الحرب مجرد نزاع إقليمي بين
بل كانت لحظة كسرٍ كبرى في النظام الدولي، حيث عادت مفاهيم الصراع التقليدي، وتقدمت لغة القوة على حساب التوازنات الهشة التي حكمت العالم منذ نهاية الحرب الباردة. كانت أوكرانيا، في جوهرها، اختبارًا لإرادة الغرب بقيادة الولايات المتحدة ، وردًا على طموحات بوتن في إعادة رسم خرائط النفوذ.
لكن، هل كانت تلك الحرب هي الشرارة الأولى؟ أم أنها كانت مجرد فتيل أُشعل ببطء، بينما كانت النيران الحقيقية تنتظر مكانًا أكثر اشتعالًا؟
ما نشهده اليوم في الشرق الأوسط، وخاصة في ظل التصعيد المتزايد بين إيران واسراىيل، يوحي بأن الصراع خرج من طور الاحتواء إلى طور الانفجار. لم تعد المواجهة تدور عبر وكلاء أو حروب ظل، بل باتت أقرب إلى مواجهة مباشرة، أو على الأقل إلى حرب مفتوحة متعددة الجبهات. ومع كل ضربة تستهدف بنية تحتية أو موقعًا استراتيجيًا، تتقلص المسافة بين “الحرب المحدودة”
و”الحرب الشاملة” .
في هذا السياق، يبرز دور ترامب، الذي أعاد تعريف قواعد الاشتباك، ليس فقط عبر التصعيد، بل عبر كشف التوازنات المختلة التي كانت تُدار خلف الكواليس. فبدل سياسة الاحتواء الطويلة، جاء نهج “الضغط الأقصى” ليضع المنطقة أمام لحظة الحقيقة، إما إعادة تشكيل التوازن، أو الانزلاق نحو مواجهة واسعة.
إن الربط بين الحربين أوكرانيا والشرق الأوسط ليس تحليليًا مزاجيا، بل ضرورة لفهم ما يجري. ففي أوكرانيا، كان الصراع على الجغرافيا والنفوذ في أوروبا، أما في الشرق الأوسط، فالصراع على الطاقة والممرات الحيوية والهوية السياسية للمنطقة. كلاهما يعكس صدامًا بين قوى كبرى تسعى لإعادة توزيع النفوذ العالمي.
ومع ذلك، تبقى الفوارق مهمة. حرب أوكرانيا، رغم شدتها، ظلت ضمن حدود يمكن التحكم بها نسبيًا، أما الشرق الأوسط، فهو بطبيعته أكثر هشاشة، وأكثر قابلية للانفجار المتسلسل. أي خطأ في الحسابات هنا قد لا يبقى محصورًا، بل قد يمتد ليشمل الخليج، ويهدد إمدادات الطاقة، ويجر قوى دولية إلى مواجهة مباشرة.
السؤال الأهم لم يعد: هل نحن أمام حرب عالمية ثالثة؟ بل: هل بدأ مسارها بالفعل دون أن يُعلن عنها رسميًا؟
قد لا تكون هناك لحظة واحدة تُعلن فيها الحرب العالمية كما حدث في القرن الماضي، بل سلسلة من الصراعات المتصلة، تبدأ بفتيل في أوربا وتشتعل شرارتها في الشرق الأوسط ، قبل أن تتحول إلى حريق عالمي مفتوح.
العالم اليوم يقف على حافة مرحلة جديدة، حيث لم تعد الحروب تُقاس بإعلانها، بل بامتدادها وتشابكها. وإذا كانت أوكرانيا قد أشعلت الفتيل، فإن الشرق الأوسط وقد يكون المكان الذي يقرر ما إذا كان هذا الفتيل سيحترق بصمت، أم سينفجر في وجه العالم بأسره.

التعليقات معطلة.