الديمقراطية ونتائج الانتخابات في وادي وتشكيل الحكومة في وادي اخر. 

5

 

 

في كل دورة انتخابية، يذهب العراقيون إلى صناديق الاقتراع محمّلين بآمالٍ متجددة، ويعودون منها بخيبةٍ أكثر رسوخًا. ليس لأنهم لم يصوّتوا، بل لأن أصواتهم لا تصل إلى حيث تُتخذ القرارات. فالمعادلة السياسية في العراق، منذ عام 2003، لم تُحسم يومًا داخل مراكز الاقتراع، بل في غرف التوافقات المعتمدة، حيث تُعاد صياغة النتائج وفق ميزانٍ لا يعترف بإرادة الناخب بقدر ما ينصاع لمعادلات القوة والنفوذ.

رئيس الوزراء، وهو أعلى منصب تنفيذي في البلاد، لم يكن في أي دورة انعكاسًا مباشرًا لنتائج الانتخابات. بل كان دائمًا نتاج تسويات مركبة، تبدأ محليًا بين الكتل المتصارعة، ولا تنتهي إلا بعد أن تنال مباركة القوى الإقليمية والدولية. وهنا تكمن المفارقة الأكثر إيلامًا، الديمقراطية تُمارس شكليًا، لكن جوهرها مُعطّل.

في الديمقراطيات المستقرة، تُفرز الانتخابات أغلبية تحكم وأقلية تعارض، وتكون العملية السياسية امتدادًا طبيعيًا لإرادة الناس. أما في العراق، فالأغلبية تُفرغ من معناها عبر “التوافق الإجباري” ، الذي يُستخدم كأداة لاحتواء النتائج لا لتجسيدها. الفائز لا يحكم، والخاسر لا يعارض، والجميع يدخل في حكومة “وحدة” لا تُسائل نفسها، ولا تُحاسبها مؤسساتها.

هذا النمط لا يُنتج استقرارًا كما يُروّج له، بل يُعيد تدوير الأزمات. إذ تتحول الحكومة إلى ساحة لتقاسم النفوذ، لا إلى جهاز لإدارة الدولة. وتغدو الوزارات حصصًا، لا مسؤوليات. أما المواطن، فيقف خارج المعادلة، يُستدعى فقط يوم الاقتراع، ثم يُعاد إلى هامش المشهد حتى إشعارٍ آخر.

الأخطر من ذلك أن التوافقات لم تعد داخلية فحسب. فالعراق، بحكم موقعه وتعقيداته، أصبح ساحة لتقاطع الإرادات الخارجية. وكلما تعمّقت الانقسامات الداخلية، اتسعت مساحة التأثير الخارجي. وهكذا، يصبح اختيار رئيس الوزراء نتيجة توازنات تتجاوز الحدود، لا استحقاقًا وطنيًا خالصًا.

قد يقول قائل إن هذا النموذج فُرض بفعل التعددية والانقسامات، وإن “التوافق” كان ضرورة لتجنب الانفجار. لكن ما بدأ كحلٍ مؤقت، تحول إلى قاعدة دائمة. ومع الوقت، صار هذا النهج جزءًا من بنية النظام، يُعيد إنتاج نفسه كل أربع سنوات، دون أن يُسائل أحد جدواه أو كلفته.

العزوف… حين ينسحب الجمهور من المسرح

مع تراكم خيبات الأمل، لم يعد المواطن يكتفي بالتذمر، بل بدأ يتخذ موقفًا أكثر حدة: العزوف عن المشاركة. نسب المشاركة المتراجعة لم تعد مجرد أرقام انتخابية، بل مؤشرًا سياسيًا عميقًا على فقدان الثقة. حين يشعر الناخب أن صوته لا يغيّر، وأن النتائج تُعاد صياغتها خارج إرادته، يصبح الامتناع عن التصويت فعل احتجاج صامت.

لكن هذا العزوف فتح بابًا أكثر خطورة. فكلما تراجعت المشاركة، باتت النتائج أكثر هشاشة من حيث التمثيل، وأكثر قابلية للتلاعب من حيث الإخراج. وهنا تتعاظم الشكوك، وتُثار الاتهامات بأن ضعف الإقبال يُعوَّض بآليات تضخيمٍ للنتائج، أو بإعادة تدوير نسب المشاركة بما يمنح العملية مظهرًا من الشرعية الشكلية. وهكذا، تتحول الانتخابات من وسيلة تعبير عن الإرادة الشعبية إلى أداة لإضفاء شرعية على واقعٍ مُتفق عليه مسبقًا.

في هذه الحالة، لا يكون التزوير مجرد فعل تقني، إن وُجد، بل نتيجة سياسية لمسارٍ مختل، حيث تغيب الرقابة الشعبية الفاعلة، ويُستبدل الحضور الجماهيري بترتيبات فوقية. ومع كل دورة، تتسع الفجوة بين النظام والناس، وتزداد قناعة الشارع بأن اللعبة مغلقة، مهما تغيّرت وجوه اللاعبين. 

أزمة نظام لا أزمة انتخابات

السؤال الذي يفرض نفسه، لماذا تُجرى الانتخابات إذا كانت لا تُحدد من يحكم؟ ولماذا يُطلب من المواطن أن يشارك في عملية لا تُفضي إلى نتائج تعكس خياره؟ إن الاستمرار في هذا المسار لا يُضعف الثقة بالعملية السياسية فحسب، بل يُهدد فكرة الدولة نفسها، حين يشعر المواطن أن صوته بلا قيمة.

العراق لا يعاني من نقص في الانتخابات، بل من غياب أثرها. ولا يحتاج إلى مزيد من التوافقات، بل إلى قواعد واضحة تحترم نتائج الصندوق، وتُعيد الاعتبار لمبدأ الأغلبية والمعارضة، وتضع حدًا لتغوّل التسويات على حساب الإرادة الشعبية.

ما لم يُكسر هذا النمط، ستبقى كل انتخابات مجرد محطة لإعادة إنتاج الأزمة، لا لحلها. وسيظل المواطن العراقي، رغم كل مشاركته أو عزوفه، خارج معادلة الحكم… في وطنٍ يُفترض أن يكون صوته فيه هو الفيصل.

التعليقات معطلة.