ترامب يصف الرد الإيراني “بـالخزعبلات”…. ما معنى ذلك؟ وهل تعود الحرب؟

6

 

في السياسة، ليست الكلمات مجرد تصريحات عابرة، بل إشارات مشفّرة تُقرأ بعناية داخل غرف القرار. وحين يصف دونالد ترامب الرد الإيراني بأنه “خزعبلات”، فهو لا يكتفي بالسخرية من رواية الخصم، بل يرسل رسالة أعمق تتجاوز حدود الخطاب الإعلامي إلى قلب المعادلة الاستراتيجية في المنطقة.

لغة ترامب ليست جديدة. الرجل اعتاد استخدام مفردات حادة وصادمة لتكسير الصورة النفسية لخصومه، لكنه في هذه اللحظة تحديدًا يبدو وكأنه يريد نزع “هيبة الردع” عن إيران، لا مجرد انتقاد ردّها. بمعنى آخر، هو يحاول القول إن طهران، رغم كل التصعيد والتهديدات، ما تزال عاجزة عن فرض معادلة ردع حقيقية تغيّر قواعد الاشتباك.

لكن خلف هذه اللغة الساخرة، يبرز سؤال أكثر خطورة: هل نحن أمام تهدئة فعلية… أم أمام استراحة قصيرة تسبق جولة أعنف من الحرب؟

الواقع أن المنطقة لا تعيش حالة سلام حقيقي، بل تعيش ما يمكن وصفه بـ”إدارة الحرب تحت السقف”. فكل الأطراف تدرك أن الانفجار الكبير قد يكون مكلفًا بصورة يصعب احتواؤها، لكن في الوقت نفسه لا أحد يبدو مستعدًا للتراجع الكامل. هنا تحديدًا تصبح التصريحات النارية جزءًا من الحرب النفسية، ومحاولة لإعادة رسم ميزان القوة دون الذهاب فورًا إلى المواجهة الشاملة.

ترامب، بعقليته القائمة على “اظهار الخصم ضعيفًا أمام جمهوره”، يعرف أن أخطر ما يمكن أن تواجهه إيران ليس الضربات العسكرية وحدها، بل اهتزاز صورة القوة التي بنتها طوال عقود. لذلك فإن وصف الرد الإيراني “بـالخزعبلات” يحمل محاولة واضحة لتفريغ أي رد من قيمته السياسية والعسكرية، وإظهار طهران وكأنها تكتفي بالاستعراض الإعلامي أكثر من قدرتها على فرض الوقائع.

لكن هذا لا يعني بالضرورة أن الحرب انتهت أو أنها لن تعود. بل على العكس، التاريخ يقول إن أخطر الحروب غالبًا ما تسبقها مراحل من السخرية المتبادلة والاستخفاف العلني. فحين تبدأ الأطراف بتقليل شأن بعضها البعض، يكون ذلك أحيانًا تمهيدًا نفسيًا للرأي العام قبل الانتقال إلى خطوات أكثر خشونة.

المؤشرات الحالية توحي بأن الجميع يحاول شراء الوقت. إيران تسعى لتثبيت أنها ما تزال قادرة على الرد وعدم الانكسار، بينما تحاول واشنطن وتل أبيب إظهار أن الرد الإيراني لم يغيّر شيئًا في ميزان الردع. وبين هذين المسارين، تتحول المنطقة إلى ساحة انتظار ثقيلة، حيث يبدو الهدوء أقرب إلى هدنة مؤقتة منه إلى تسوية مستقرة.

أما السؤال الأهم، فهو ليس إن كانت الحرب ستعود، بل بأي شكل ستعود. فالحروب الحديثة لم تعد دائمًا اجتياحات كلاسيكية أو مواجهات مفتوحة، بل قد تأتي على هيئة اغتيالات، ضربات دقيقة، انهيارات اقتصادية، حروب سيبرانية، أو تفكيك تدريجي لمراكز النفوذ.

وفي قلب هذا المشهد، يبقى العراق أكثر الساحات قلقًا وهشاشة. لأن أي تصعيد جديد لن يبقى محصورًا بين واشنطن وطهران أو بين إسرائيل وإيران، بل سيمتد تلقائيًا إلى الجغرافيا العراقية بوصفها إحدى أكثر ساحات الاشتباك حساسية وتعقيدًا. وهنا تبدو المشكلة العراقية أعمق من مجرد موقف سياسي؛ إنها أزمة دولة ما تزال عاجزة عن حماية نفسها من ارتدادات الصراع الإقليمي.

لهذا، فإن تصريح ترامب لا يمكن قراءته بوصفه مجرد “مزحة سياسية”، بل باعتباره جزءًا من معركة كسر الإرادات وإعادة تعريف من يملك اليد العليا في المنطقة. أما الحرب، فهي ربما لم تغادر أصلًا…… بل غيّرت شكلها فقط.

التعليقات معطلة.