طوال سنوات طويلة، جرى التعامل مع العلاقة بين العراق والمملكة العربية السعودية وكأنها ملف سياسي بارد تتحكم به الحسابات الإقلمية والتجاذبات والصراعات، بينما الحقيقة الأعمق كانت دائماً مختلفة تماماً.
فالعلاقة بين الشعبين ليست علاقة دولتين متجاورتين فقط، بل علاقة تاريخ طويل من الامتداد الاجتماعي والثقافي والديني والإنساني، علاقة تشكلت قبل أن تُرسم الحدود السياسية الحديثة، وقبل أن تتدخل الصراعات والمحاور في تسميم الوعي الجمعي وإنتاج صور نمطية متبادلة.
العراقي البسيط لم يكن يرى في السعودي خصماً، كما أن السعودي لم يكن ينظر إلى العراقي باعتباره عدواً. لكن المنطقة عاشت عقوداً من التوترات والحروب والقطيعة السياسية التي صنعت حواجز نفسية وإعلامية ضخمة بين الشعوب العربية، وكان العراق والسعودية من أكثر الدول التي تأثرت بهذه التحولات.
اليوم، وبعد كل ما جرى في المنطقة، يبدو السؤال أكثر إلحاحاً: هل من مصلحة العراق أن يبقى بعيداً عن عمقه العربي؟
الجواب الواقعي يقول: لا.
فالعراق لا يمكن أن يعيش معزولاً عن محيطه الطبيعي، تماماً كما أن استقرار المنطقة لا يكتمل دون عراق قوي ومتوازن ومنفتح على أشقائه العرب.
السعودية اليوم ليست مجرد دولة نفطية كبرى، بل مركز اقتصادي واستثماري ضخم يتحرك بسرعة نحو بناء مشاريع تنموية هائلة، فيما يحتاج العراق إلى كل فرصة ممكنة لإعادة بناء اقتصاده المرهق، وتحريك سوق العمل، وخلق أفق جديد للشباب الذين يعيش ملايين منهم تحت ضغط البطالة والقلق وفقدان المستقبل.
لهذا فإن التقارب العراقي ـ السعودي يجب ألا يُفهم باعتباره اصطفافاً سياسياً ضد أحد، بل باعتباره فرصة استراتيجية تخدم الشعبين معاً.
العراق يحتاج إلى الكهرباء، والاستثمار، والمشاريع، وتنشيط التجارة، وتطوير البنية التحتية. والسعودية تبحث عن شراكات اقتصادية واستقرار إقليمي وتكامل عربي أوسع.
المصالح هنا واضحة، لكن المشكلة أن بعض القوى ما زالت تتعامل مع أي انفتاح عربي على العراق وكأنه تهديد سياسي، بينما الحقيقة أن أكبر تهديد للعراق هو استمرار عزلته الاقتصادية والتنموية.
إن بناء علاقة صحية ومتوازنة بين بغداد والرياض لا يعني التخلي عن علاقات العراق الأخرى، بل يعني ببساطة إعادة التوازن إلى السياسة العراقية، وإخراج البلاد من منطق المحاور المغلقة إلى فضاء المصالح المشتركة.
وما يحتاجه العراقيون اليوم ليس المزيد من الخطابات المتشنجة، بل خطاب عقلاني يقول بوضوح: العراق يربح عندما ينفتح على الجميع، ويخسر عندما يتحول إلى ساحة قطيعة وصراعات دائمة.
إن ما يجمع بغداد والرياض أكبر بكثير مما تحاول السياسة تفريقه. يجمعهما التاريخ، والدين، واللغة، والعشائر، والمصالح، ومستقبل المنطقة كله.
وربما آن الأوان كي تستعيد الشعوب دورها في ترميم ما أفسدته سنوات التوتر، لأن العلاقات بين الأمم لا تبنى فقط بالسياسة، بل بالثقة، والتقارب الإنساني، والإيمان بأن المستقبل المشترك أهم من خلافات الماضي.

