في كل مرة يُطرح فيها الحديث عن التقارب الاقتصادي بين العراق والمملكة العربية السعودية، تظهر أصوات تحاول تحويل الأمر إلى سجال سياسي أو صراع محاور، بينما الحقيقة أبسط بكثير وأكثر أهمية: العراق يحتاج إلى التنمية قبل أي شيء آخر.
فالبلاد التي تمتلك واحدة من أكبر الثروات النفطية في العالم ما زالت تعاني من أزمات كهرباء مزمنة، وبطالة مرتفعة، وبنية تحتية متآكلة، واقتصاد يعتمد بشكل شبه كامل على النفط.
وهذا يعني أن أي مشروع حقيقي لإنقاذ العراق لا يمكن أن يقوم فقط على الإنفاق الحكومي أو الوظائف التقليدية، بل يحتاج إلى استثمارات ضخمة، وشراكات اقتصادية، وتحريك القطاع الخاص، وفتح أبواب العمل أمام ملايين الشباب.
وهنا تحديداً تبرز أهمية السعودية.
فالمملكة تمتلك إمكانيات مالية واستثمارية هائلة، وتجربة اقتصادية متسارعة، ومشاريع عملاقة يمكن أن تشكل فرصة حقيقية للعراق إذا أُديرت العلاقة بطريقة عقلانية بعيدة عن التشنج السياسي.
العراق لا يحتاج من السعودية شعارات سياسية، بل يحتاج:
مشاريع طاقة.
مدناً صناعية.
استثمارات زراعية.
شراكات مصرفية.
فرص عمل.
تطويراً للبنية التحتية.
وفي المقابل، تستطيع الشركات السعودية أن تجد في العراق سوقاً ضخمة وبيئة غنية بالفرص والموارد.
إن التعاون الاقتصادي بين البلدين يمكن أن يتحول إلى نقطة تحول تاريخية إذا جرى التعامل معه باعتباره مشروعاً لمصلحة الشعبين، لا مادة للانقسام السياسي.
وفي ملف الكهرباء مثلاً، يدفع العراقي البسيط ثمن سنوات طويلة من الفشل وسوء الإدارة والاعتماد على الحلول المؤقتة. بينما كان مشروع الربط الكهربائي الخليجي فرصة حقيقية لتخفيف جزء من معاناة الناس، خصوصاً في فصول الصيف القاسية.
لكن بعض القوى فضلت إبقاء هذا الملف رهينة الحسابات السياسية، بينما بقي المواطن هو الخاسر الأكبر.
السؤال الذي يجب أن يُطرح بوضوح: لماذا يخاف البعض من أي شراكة عربية تساعد العراق اقتصادياً؟
هل المطلوب أن يبقى العراق بلداً مستنزفاً ومعطلاً اقتصادياً؟ أم أن المطلوب فعلاً هو بناء اقتصاد قوي ومتعدد العلاقات يخدم العراقيين أولاً؟
العراق لا يمكن أن ينهض بالعزلة. ولا يمكن أن يوفر مستقبلاً لشبابه إذا بقي أسيراً للاقتصاد الريعي والأزمات السياسية.
ولهذا فإن الانفتاح الاقتصادي على السعودية والخليج ليس ترفاً سياسياً، بل ضرورة وطنية مرتبطة مباشرة بحياة الناس ومستقبلهم.
فالاستثمار ليس مجرد أرقام، بل مدارس ومستشفيات ووظائف وطرق وكهرباء وفرص حياة.
وحين يرى المواطن العراقي نتائج حقيقية على الأرض، ستسقط تلقائياً كثير من الصور النمطية والخطابات المتشنجة التي غذّت الانقسام لسنوات طويلة.

