من يعادي المملكة ودول الخليج لا يمثل العراق

8

 

 

وسط كل الضجيج السياسي والتصعيد الإعلامي ومحاولات التحريض المتكررة ضد المملكة العربية السعودية ودول الخليج، تبرز حقيقة يعرفها العراقيون جيدا، وإن حاول البعض طمسها عمدا: الذين يحاولون تخريب العلاقة مع الخليج لا يمثلون المزاج الحقيقي للشعب العراقي.

فالعراق، تاريخيا وجغرافيا واجتماعيا، لم يكن يوما معزولًا عن عمقه العربي والخليجي. بل إن العلاقة بين العراقيين وشعوب الخليج قامت لعقود طويلة على المصالح المشتركة، والروابط الاجتماعية، والتداخل الاقتصادي والثقافي، وحتى على الذاكرة الإنسانية التي لا تستطيع الشعارات السياسية محوها بسهولة.

لكن المشكلة أن العراق، منذ ٢٠٠٣، دخل مرحلة اختطاف سياسي وأمني تدريجي، جعل صوته الحقيقي يضيع وسط ضجيج السلاح والمحاور والصراعات الإقليمية.

ومنذ ذلك الوقت، ظهرت قوى وجماعات بنت نفوذها على صناعة العداء مع العالم العربي عموما، ومع الخليج خصوصا، لأنها تدرك أن أي عودة عراقية حقيقية إلى محيطه العربي تعني تلقائيا تراجع مشاريع الهيمنة والفوضى والارتهان للخارج.

ولهذا تُستخدم لغة التخوين والتحريض كلما ظهرت بوادر تقارب بين بغداد والعواصم الخليجية.

لكن السؤال المهم: هل هذا الخطاب يمثل العراقيين فعلًا؟

الجواب الواضح: لا.

فالعراقي العادي الذي يبحث عن دولة مستقرة، وفرصة عمل، وخدمات، وتنمية، وعلاقات متوازنة مع الجميع، لا يرى في الخليج عدوًا، بل يرى فيه عمقا اقتصاديا وسياسيا واجتماعيا قادرا على مساعدة العراق في استعادة توازنه.

ولذلك لم يكن غريبا أن تلقى المشاريع الخليجية والاستثمارات والانفتاح العربي ترحيبا شعبيا واسعا داخل العراق، رغم كل حملات التشويه والتحريض.

لأن العراقيين يدركون أن عزل العراق عن محيطه العربي لم ينتج خلال العقدين الماضيين سوى: الفوضى… الفساد… الارتهان… وتضخم نفوذ السلاح خارج الدولة.

كما يدرك العراقيون جميعا أن دول الخليج، وعلى رأسها المملكة العربية السعودية ، لم تعد تنظر إلى العراق فقط كساحة صراع، بل كدولة محورية لا يمكن استقرار المنطقة من دون استقرارها.

ولهذا شهدت السنوات الأخيرة محاولات خليجية واضحة لإعادة العراق إلى محيطه الطبيعي عبر: الاستثمارات… الربط الكهربائي… المشاريع الاقتصادية… والانفتاح السياسي والدبلوماسي.

في المقابل، هناك من يرى في أي تقارب عراقي خليجي تهديدا مباشرا لمصالحه ونفوذه، لأن بقاء العراق معزولًا ومنهكا وفاقدا لتوازنه وعمقه العربي يخدم استمرار اقتصاد الفوضى والسلاح والمحاور.

ومن هنا نفهم لماذا تُفتعل الأزمات الإعلامية والسياسية باستمرار كلما اقتربت بغداد من العواصم الخليجية.

المشكلة أن بعض الأصوات المرتفعة تحاول تصدير نفسها وكأنها تمثل العراق كله، بينما الحقيقة أن العراق أوسع وأعمق وأكثر تنوعا من أن تختصره جماعات تعيش على منطق التعبئة والصدام الدائم.

فالمزاج الشعبي العراقي، رغم كل الجراح، يميل إلى التوازن لا القطيعة، وإلى الانفتاح لا العزلة، وإلى بناء علاقات مستقرة مع محيطه العربي لا تحويل البلاد إلى منصة صراع دائم.

والأهم أن العراقيين بدأوا يدركون أكثر من أي وقت مضى أن استعادة الدولة لا يمكن أن تتم في ظل سياسة العداء المفتوح مع العمق العربي والخليجي، لأن العراق لا يستطيع النهوض وهو محاصر بالأزمات والصراعات والاصطفافات الحادة.

ولهذا فإن الذين يهاجمون المملكة ودول الخليج باسم العراق لا يعبرون بالضرورة عن العراق الحقيقي، بل عن مشاريع سياسية وأيديولوجية تخشى عودة العراق إلى موقعه الطبيعي كدولة عربية تمتلك قرارها وعلاقاتها المتوازنة.

أما الشعب العراقي، فرغم كل شيء، ما زال يعرف جيذا من وقف معه، ومن حاول عزله، ومن يريد له أن يبقى ساحة صراع لا دولة مستقلة. 

نتمنى من أشقائنا في المملكة وباقي دول الخليج أن يقرأوا ما يجري في العراق بعينٍ أعمق وأكثر إنصافا، وألّا يُؤخذ الشعب العراقي بجريرة الأصوات المرتبطة بأجنداتٍ لا تمثّل تاريخه ولا هويته العربية ولا مصالحه الحقيقية.

فالعراق الذي يعرفه الخليج جيدا لم يكن يوما خصما لأشقائه، بل كان وسيبقى عمقا عربيا حقيقيا، وما يصدر من مواقف عدائية أو محاولات تخريب للعلاقة لا يمثّل العراق، بل يمثّل من يريد اختطافه وإبعاده عن محيطه الطبيعي.

التعليقات معطلة.