سمير عطا الله
كانت الأمم المتحدة في عزّها منصةً براقةً للزعماء القادمين من دول العالم الثالث. نادٍ مفتوح أمام المناضلين السابقين وقد أصبحوا رؤساء دول مستقلة يأتون بالأزياء والقبعات الوطنية المزركشة، ويلقون الخطب المطولة، التي تندد بالاستعمار وأعوانه وأذنابه.
كانت الخطب تُقاس بطولها والخطيب بإيقاعه. وكان محبو الأضواء وعشاق الشهرة يتفننون في استغلال المنبر الدولي والفرصة السانحة. فالصور التي تلتقط في نيويورك سوف تنشر في جرائد البلد الأم على مدى الصفحات الأولى، والعبارات المنددة سوف تثير التصفيق.
أشهر الخطباء في تلك المرحلة من الستينات كان الزعيم السوفياتي نيكيتا خروتشوف الذي بلغ به الحماس (والفودكا) وهو يلقي كلمته أن خلع حذاءه وراح يضرب به الطاولة أمامه. وقيل إن هذا هو السبب الذي أدى إلى الانقلاب عليه بعد حين.
الخطيب الآخر كان الزعيم الكوبي فيدل كاسترو الذي استغرق خطابه أربع ساعات، إلا قليلا أو أكثر قليلاً. الظاهرة الكبرى في عالم الظهور كان وزير الدفاع الهندي كريشنا مينون. فقد أُغمي عليه ذات يوم في صالة المندوبين وتدافع نحوه المسعفون، فلما أفاق قال في لهفة: هل مراسل «التايم» هنا.
كان مينون يطمح إلى منصب رئيس الوزراء في الهند، كرسي جواهر لال نهرو. وكان يخوض معركة الرئاسة بجميع السبل وكل الأمكنة. أعطه منبراً واترك الباقي له. ولذلك سوف يضرب الرقم القياسي في المطولة الخطابية في قاعة الجمعية العامة: تسع ساعات كاملة دون أن يلهث ودون أن يغمى عليه. الذين كادوا أن يغمى عليهم كانوا السامعين. لذلك وضعت الأمم المتحدة حداً محدوداً لمدة الخطاب. وسوف يخترقه العقيد معمر القذافي، بعدما كان قد نصب خيمته الملونة في مدينة ناطحات السحاب.

