وجهة نظر

3

 

ليس بين يديّ حزب أدافع عنه، ولا مشروع سلطةٍ أسعى إليه، ولا طموحٌ شخصيّ أبحث له عن طريق. أنا مواطن عراقي، وأحد أبناء هذا البلد الذين عاشوا سنواتٍ طويلة وهم يشاهدون وطنهم يتأرجح بين الأزمات، ويتنقل من مأزقٍ إلى آخر، فيما تتآكل الدولة وتتسع المسافة بين ما كان يُرجى منها وما آلت إليه.

لقد شهد العراقيون خلال العقود الماضية وفرةً في الشعارات، لكنهم لم يحصدوا بالقدر نفسه وفرةً في الحلول. وتعاقبت المشاريع والوعود والخطابات، فيما بقي السؤال الجوهري معلقاً: كيف يمكن بناء دولةٍ مستقرة وقادرةٍ وعادلةٍ في بلدٍ يمتلك كل أسباب النهوض ويعاني في الوقت نفسه من كل أسباب التعثر؟

من هنا جاءت هذه الأوراق.

لا بوصفها برنامجاً حزبياً، ولا مشروعاً مغلقاً يدعي امتلاك الحقيقة، بل باعتبارها محاولةً فكريةً وطنيةً تسعى إلى إعادة قراءة التجربة العراقية كما هي، لا كما نرغب أن نراها.

وما يميز هذه المحاولة أنها لا تبدأ من سؤال: من يحكم العراق؟ بل من سؤالٍ أكثر عمقاً: كيف تُبنى الدولة العراقية القادرة على الاستمرار والنجاح بغض النظر عمن يحكمها.

وهنا لسنا منشغلين بسؤال من يحكم العراق، بل بسؤال كيف تُبنى الدولة العراقية   

إنها محاولة تنطلق من قناعةٍ مفادها أن الأزمة العراقية ليست أزمة أشخاص بقدر ما هي أزمة أفكارٍ ورؤى وآليات إدارة، وأن الأزمات الكبرى لا تُحلّ بتغيير الأشخاص وحدهم، بل بإعادة النظر في البنى والمفاهيم والمسارات التي أنتجت تلك الأزمات وأعادت إنتاجها مراراً.

لقد دفعت الدولة العراقية أثماناً باهظة حين تحولت بعض الانتماءات الضيقة إلى بديلٍ عن المواطنة، وحين تقدمت الولاءات على المؤسسات، وحين أصبحت الأيديولوجيات المتصارعة أكثر حضوراً من فكرة الدولة نفسها. ولم يكن الفشل في كثيرٍ من الأحيان نتيجة نقص الموارد أو الفرص، بقدر ما كان نتيجة خلل في الرؤية وإدارة الدولة وفهم طبيعة التحولات التي شهدها العراق والمنطقة والعالم.

ولهذا فإن هذه الأوراق لا تنطلق من منطق الإدانة، ولا من الرغبة في تصفية الحساب مع الماضي، بل من محاولة فهمه. فالتشخيص الموضوعي ليس ترفاً فكرياً، بل الخطوة الأولى في أي مشروع يسعى إلى الإنقاذ أو الإصلاح أو إعادة البناء.

إن المشروع الوطني العراقي الذي نقدمه هنا لا يدّعي الكمال، ولا يطرح نفسه بوصفه الحقيقة النهائية، بل بوصفه مساحةً مفتوحةً للحوار والنقاش والتطوير. فالأوطان لا تُبنى بالأفكار المغلقة، وإنما تتقدم حين تتحول الأفكار إلى موضوعٍ للنقد والمراجعة والتفاعل الخلّاق.

إن ما ستقرؤونه في الصفحات القادمة هو محاولة للبحث عن طريقٍ يضع الدولة فوق المصالح العابرة، والمواطنة فوق الانتماءات الضيقة، والكفاءة فوق المحاصصة، والقانون فوق النفوذ، والعلم والمعرفة فوق الخطابات التي استنزفت العراق طويلاً دون أن تمنحه ما يستحقه من استقرارٍ وازدهار.

هذه ليست أكثر من وجهة نظر.

لكنها وجهة نظر عراقية تؤمن أن هذا الوطن، رغم كل ما مرّ به، ما زال يمتلك القدرة على النهوض، وأن المستقبل لا تصنعه الأزمات وحدها، بل تصنعه أيضاً الإرادة والرؤية والشجاعة في مراجعة المسار وتصحيح الاتجاه.

 

            تنويه

يمثل هذا النص المدخل التأسيسي لـ”المشروع الوطني العراقي”، وهو مشروع فكري يتكون من ثلاث عشرة ورقة مترابطة، تتناول جذور الأزمة العراقية، وحدود الدولة، وأزمة الشرعية والتمثيل، والعلاقة بين المجتمع والسلطة، وشروط بناء الدولة الوطنية الحديثة، وصولاً إلى رؤية متكاملة لمستقبل العراق.

وسيتم نشر أوراق المشروع تباعاً بشكل يومي عبر منصة “إكس” ، و”مجلة قمر بغداد” بنسختيها العربية والإنجليزية، ومنصة” المركز العراقي للسلام” على فيسبوك، بهدف توسيع دائرة الحوار الوطني حول مستقبل الدولة العراقية ومسارات إصلاحها وإعادة بنائها.

 

غداً نبدأ بنشر الورقة الأولى:

“تشرين… لحظة وعي سبقت النخب السياسية”

التعليقات معطلة.