بعد اتساع رقعة الهجمات… هل دخل الشرق الأوسط مرحلة لا يمكن إدارتها بالمسكنات؟

5

 

 

في السياسة، هناك لحظات لا تُقاس بعدد الصواريخ التي أُطلقت، بل بالحدود التي جرى تجاوزها. وما شهدته المنطقة من اتساع دائرة المواجهة لم يعد مجرد تطور عسكري عابر، بل مؤشر على أن قواعد الاشتباك التي حكمت السنوات الماضية تتعرض لاختبار غير مسبوق.

عندما تمتد العمليات العسكرية إلى أكثر من دولة عربية وبتوقيت واحد ، فإن الأزمة تتجاوز إطارها الثنائي، وتتحول إلى قضية تمس الأمن الإقليمي برمته. فاستقرار الشرق الأوسط لم يعد شأنًا يخص دولة بعينها، وإنما أصبح عنصرا مؤثرا في أمن الطاقة العالمي، وحركة التجارة الدولية، والتوازنات الاستراتيجية بين القوى الكبرى.

ولعل أخطر ما في هذا المشهد أن منطق التصعيد المتبادل يملك قدرة أكبر على إنتاج الأزمات من إنتاج الحلول. فكل ضربة تستدعي ضربة مقابلة، وكل توسع في دائرة العمليات يزيد عدد الأطراف المنخرطة فيها، حتى يصبح احتواء الأزمة أكثر صعوبة وكلفة.

إن المجتمع الدولي يقف اليوم أمام اختبار حقيقي. فالحفاظ على الأمن الإقليمي لا يتحقق بالاكتفاء ببيانات القلق أو الدعوات العامة إلى ضبط النفس، وإنما يتطلب تحركا سياسيا ودبلوماسيا جادا يضع خطوطا واضحة تمنع اتساع رقعة الصراع، وتؤكد أن احترام سيادة الدول وعدم تعريض أمن المنطقة للخطر مبدأ لا يجوز الانتقائية في تطبيقه.

وفي الوقت نفسه، فإن أي معالجة مستدامة لا يمكن أن تقوم إلا على محاسبة أي طرف يثبت تجاوزه للقانون الدولي، أياً كانت هويته، والعمل على منع تحويل أراضي دول المنطقة إلى ساحات لتصفية الحسابات بين القوى المتنافسة.

لقد أثبتت تجارب العقود الماضية أن الحروب في الشرق الأوسط لا تبقى محصورة داخل حدودها الجغرافية. فهي تمتد آثارها إلى الاقتصاد العالمي، وأسواق الطاقة، والملاحة الدولية، والهجرة، والأمن الدولي. ولذلك فإن التعامل مع التطورات الراهنة بوصفها أزمة محلية سيكون قراءة قاصرة لواقع أكثر تعقيدا.

إن المنطقة لا تحتاج إلى اتساع رقعة المواجهة، بل إلى إعادة الاعتبار لمنطق الدولة، واحترام السيادة، وتغليب الحلول التي تمنع الانزلاق إلى صراع إقليمي مفتوح ستكون كلفته على الجميع أكبر من أي مكسب سياسي أو عسكري يمكن تحقيقه.

لقد دخل الشرق الأوسط مرحلة شديدة الحساسية، وأصبحت المسؤولية مشتركة بين القوى الإقليمية والدولية للحيلولة دون تحول التصعيد الحالي إلى أزمة أوسع يصعب احتواء تداعياتها. وفي مثل هذه اللحظات، لا يكون النجاح في توسيع نطاق الصراع، بل في منعه من أن يتحول إلى واقع دائم يعيد تشكيل المنطقة على وقع الأزمات المتلاحقة.

التعليقات معطلة.