نزعتُ الخوف من حدقتَيَّ
كما تُنتزعُ شظيةٌ عتيقةٌ من جسدِ الضوء،
فاستقام بصري كقدرٍ لا يلتفت وراءه،
وصارت عيناي نافذتين
تعبران جدران الأشياء
إلى ما تخفيه من أسرارٍ وعتمات.
لم أعد أهرّب كلماتي
إلى أقبية الصمت،
ولا أُلبسها أقنعةَ التردّد،
بل أطلقها عاريةً في الجهات الأربع،
كطيورٍ تعلّمت متأخرةً
أن السماء لا تُمنح إلا لمن يجازف بأجنحته.
يداي…
لم تعودا ورقتين ترتعشان
في مهبّ المواسم،
بل غدتا جذرين ضاربين
في أعماق الأرض،
تعلّما من الأعاصير
أن الانحناء أحياناً
ليس هزيمةً،
بل طريقةٌ أخرى للبقاء.
أمشي الآن
وعلى كتفيّ خرابُ أعوامٍ كاملة،
لكن خطواتي أكثر خفّةً من الريح،
وأشدُّ يقيناً من الجبال.
أعبر حوافّ الهاوية
كما يعبر الضوءُ حافةَ الفجر،
لأنني أدركت أخيراً
أن السقوط ليس سوى اسمٍ آخر
للتحوّل.
وقلبي…
ذلك المخطوطُ الذي ختمته الأحزان
بشمع الغياب،
فتحته ذات مساءٍ على آخر ندوبه،
فاكتشفت أن ما حسبته مآسيَ خالدة
لم يكن إلا أوراقاً يابسة
نسيها الخريف في داخلي.
فنثرتُها في مهبّ العمر،
وتركتُ الريح تتكفّل
بما تبقّى من رمادها.
أما الذكريات
التي كانت تجرُّ سلاسلها خلفي
كأشباحٍ تعرف اسمي،
فقد صارت غباراً نائماً
على أرفف الزمن.
والأسماء التي حفرتها الخيبات
بسكين الشوق على جلدي،
تآكلت حتى غدت
أصداءً بعيدة
لا يعرفها سوى الصمت.
صرتُ نهراً
لا يخاصم الصخور،
بل يُقنعها بالعبور.
أعرف الطريق إلى بحري
وإن تشابهت عليّ المنافذ،
وأعرف أن الموجة التي تكسرني اليوم
ستحملني غداً
إلى ضفةٍ لم أحلم بها.
لم أعد أخاف الغرق،
فمن أقام طويلاً
في قاعِ نفسه،
يتعلّم كيف يستنشق الحياة
من رئاتِ العتمة.
وفي النهاية…
اكتشفتُ أن القوة
ليست ذراعاً تُخيف العالم،
ولا قبضةً تُطبق على أعناق الهزائم.
القوةُ الحقيقية
أن تجمع شظاياك بيديك المرتجفتين،
أن تمسح دمعك
قبل أن يجفّ على وجهك،
ثم تمضي….
تبني من انقاضك سلماً
من جراحك نوافذ،
ومن كل ما انكسر فيك
مجرةً جديدةً
تليق بروحٍ
نجت من نفسها أخيراً.
#ميان

