العراق يحتاج دولة… لا سلطة
الورقة الثانية
أزمة القيادة في العراق:
عندما تُنتج البنية السياسية السلطة وتُعطّل الدولة
لم تكن أزمة القيادة في العراق بعد عام ٢٠٠٣ ناتجة عن نقص في الكفاءات أو غياب شخصيات قادرة على الفعل السياسي، بقدر ما كانت نتيجة مباشرة لبنية سياسية تشكلت في سياق انتقالي مضطرب، صُممت أساساً لمنع الانهيار وإدارة التوازنات أكثر مما صُممت لبناء دولة حديثة مستقرة وقادرة على إنتاج قيادة وطنية فاعلة.
ومن هنا، لا يمكن فهم تعثر الحراك الوطني، وعجز الاحتجاجات عن إنتاج بديل مستقر، وتآكل الثقة بالمؤسسات السياسية، بوصفها أزمات منفصلة أو عابرة، بل باعتبارها تعبيراً مباشراً عن نمط إنتاج السلطة الذي تشكل بعد ٢٠٠٣؛ نمط استبدل فكرة الدولة بمنطق التسويات، واستبدل المواطنة السياسية بإدارة الولاءات والهويات الفرعية.
إنها في جوهرها أزمة بنيوية في إنتاج الشرعية السياسية، لا مجرد أزمة حكومات أو أشخاص.
أولاً: من الدولة إلى نظام إدارة المكونات
في الدول الحديثة، تنشأ القيادة السياسية من مشروع وطني واضح يحدد أولويات المجتمع، ويصوغ المصلحة العامة ضمن إطار مؤسسي مستقر.
أما العراق بعد عام ٢٠٠٣ فقد دخل مرحلة انتقالية اتسمت بانهيار بنية الدولة المركزية، وتفكك المؤسسات، وتصاعد الانقسامات المجتمعية، وظهور بيئة أمنية هشة تداخلت فيها العوامل المحلية والإقليمية والدولية.
وفي ظل هذا الواقع، جرى بناء النظام السياسي على أساس تمثيل المكونات أكثر من بناء مفهوم المواطنة السياسية الجامعة.
ونتيجة لذلك:
أصبح تمثيل الجماعات مقدماً على تمثيل المواطنين.
تحولت حماية التوازنات إلى أولوية تتقدم على بناء القرار الوطني الموحد.
جرى ربط النفوذ السياسي بالهوية والانتماء أكثر من ربطه بالكفاءة والبرنامج الوطني.
تراجع مفهوم الدولة بوصفها مرجعية عليا لصالح تعدد مراكز القوة والنفوذ.
وبذلك لم تعد القيادة السياسية تعبيراً عن مشروع دولة، بقدر ما أصبحت تعبيراً عن إدارة توازنات مؤقتة داخل نظام دائم القلق من الانفجار.
ثانياً: المحاصصة من تسوية انتقالية إلى بنية دائمة
عندما سقط النظام السابق، جرى التعامل مع المحاصصة بوصفها آلية مؤقتة لمنع الصدام واحتواء الانقسامات. لكن ما بدأ كترتيب انتقالي تحول تدريجياً إلى بنية مستقرة لإدارة الحكم والدولة معاً.
ومع مرور الوقت، لم تعد المحاصصة مجرد توزيع للمناصب، بل أصبحت آلية لإعادة إنتاج السلطة نفسها.
وقد أدى ذلك إلى:
غياب المسؤولية السياسية الفردية.
تداخل الصلاحيات وضعف وضوح القرار.
تعطيل مبدأ المحاسبة لصالح التسويات السياسية.
تحويل مؤسسات الدولة إلى ساحات نفوذ متقاسمة.
إضعاف فكرة المعارضة السياسية الحقيقية.
وفي مثل هذه البنية، لا تُنتج القيادة عبر الكفاءة أو الرؤية بعيدة المدى، بل عبر القدرة على إدارة التوازنات والتفاهم بين مراكز النفوذ.
وهكذا تحول النظام السياسي تدريجياً من مشروع بناء دولة إلى منظومة لإدارة الأزمة ومنع انهيارها الكامل.
ثالثاً: الاقتصاد الريعي وإعادة تعريف الشرعية
ارتبط نمط إنتاج السلطة في العراق بطبيعة الاقتصاد الريعي القائم على النفط، حيث تحولت الدولة إلى الموزع الرئيسي للموارد والثروة والوظائف.
ومع غياب اقتصاد إنتاجي حقيقي، أُعيد تعريف الشرعية السياسية بوصفها قدرة على توزيع الموارد، لا بوصفها قدرة على تحقيق التنمية أو بناء المؤسسات.
وأنتج ذلك:
ارتباط قطاعات واسعة من المجتمع بالدولة عبر الرواتب والرعاية السياسية.
تحول التنافس السياسي إلى صراع على السيطرة على موارد الدولة.
توسع شبكات الزبائنية والمحسوبية.
إضعاف استقلال القرار الاقتصادي والسياسي معاً.
تراجع فرص نشوء طبقة اقتصادية وطنية مستقلة عن السلطة.
وفي ظل هذا النموذج، تصبح الدولة أداة توزيع أكثر من كونها مشروع بناء وطني، ويتحول الولاء السياسي إلى علاقة منفعة متبادلة لا علاقة مواطنة ومساءلة.
ولعل أخطر ما في هذه البنية أنها لا تكتفي بإنتاج السلطة، بل تنتج أيضاً الحوافز التي تدفع معظم الفاعلين السياسيين إلى التكيف معها بدلاً من تغييرها. فكلما طال أمد النظام، أصبح الخروج من قواعده أكثر كلفة من الاستمرار داخله، فتتحول الإصلاحات إلى تعديلات جزئية، بينما تبقى البنية الأساسية على حالها.
رابعاً: السلاح خارج الدولة وازدواج الشرعية
من أخطر التحولات التي شهدها العراق بعد عام ٢٠٠٣ بروز قوى مسلحة خارج الإطار المؤسسي الكامل للدولة، تمتلك نفوذاً سياسياً وأمنياً واقتصادياً واسعاً.
ومع الوقت، لم يعد السلاح مجرد قضية أمنية، بل أصبح عاملاً مؤثراً في تشكيل البيئة السياسية نفسها.
فوجود قوى تمتلك قدرة مستقلة على التأثير والردع:
قيد استقلال القرار السياسي.
أضعف هيبة المؤسسات الرسمية.
خلق ازدواجاً في مفهوم الشرعية والسيادة.
أثر في البيئة الانتخابية والسياسية.
حدّ من فرص التنافس المتكافئ بين القوى السياسية والاجتماعية.
فالدولة الحديثة لا تُعرّف فقط بامتلاك السلاح، بل باحتكار القرار المتعلق باستخدامه.
وفي مثل هذه البيئة، يصبح إنتاج قيادة وطنية مستقلة أكثر صعوبة، لأن المجال السياسي نفسه لا يخضع بالكامل لقواعد الدولة وحدها.
خامساً: العوامل الإقليمية والدولية وترسيخ منطق التوازن
لم تتشكل البنية السياسية العراقية في بيئة داخلية خالصة، بل تأثرت منذ البداية بتشابك المصالح الإقليمية والدولية المرتبطة بموقع العراق وأهميته الجيوسياسية.
وقد أدى هذا الواقع إلى ترسيخ منطق التوازنات الخارجية داخل الحياة السياسية العراقية، بحيث أصبحت بعض القرارات الكبرى محكومة أحياناً بحسابات تتجاوز الإطار الوطني المباشر.
ومع تعدد مراكز التأثير الإقليمية والدولية، تعززت ثقافة التسويات المؤقتة وإدارة التوازنات، على حساب بناء مؤسسات وطنية قادرة على اتخاذ القرار بصورة مستقلة.
وبمرور الوقت، أصبح الحفاظ على التوازنات الخارجية جزءاً من آليات استقرار النظام السياسي، الأمر الذي جعل عملية بناء مشروع وطني مستقل أكثر تعقيداً وصعوبة.
سادساً: احتجاجات تشرين وحدود البديل غير المؤسسي
مثّلت احتجاجات تشرين واحدة من أهم محطات الاعتراض السياسي والاجتماعي في العراق المعاصر، إذ كشفت حجم الفجوة بين المجتمع والنظام السياسي، وأعادت طرح أسئلة الشرعية والتمثيل والعدالة بصورة غير مسبوقة.
غير أن الاحتجاجات، رغم قدرتها على التعبئة وكشف الاختلالات البنيوية، واجهت صعوبة في التحول إلى بديل سياسي منظم وقادر على المنافسة داخل مؤسسات الدولة.
فالحركات الاحتجاجية تستطيع إضعاف شرعية النظام القائم، لكنها لا تستطيع وحدها بناء شرعية بديلة ما لم تمتلك مشروعاً سياسياً واضحاً، وأدوات تنظيمية مستقرة، ورؤية متكاملة لإدارة الدولة.
وهكذا بقيت الفجوة قائمة بين قوة الاحتجاج كأداة ضغط، وبين القدرة على إنتاج قيادة وطنية جديدة قادرة على تحويل المطالب الشعبية إلى مشروع سياسي مستدام.
سابعاً: غياب الرؤية الوطنية الجامعة
إلى جانب المشكلات البنيوية للنظام السياسي، عانت القوى الوطنية نفسها من غياب رؤية جامعة قادرة على توحيد المطالب المختلفة ضمن مشروع وطني متكامل.
فقد تركزت الجهود في كثير من الأحيان على معالجة نتائج الأزمة أكثر من معالجة أسبابها العميقة، كما تفرقت الأولويات بين ملفات متعددة دون وجود إطار فكري وسياسي موحد يربط بينها.
ونتيجة لذلك، بقيت المطالب الوطنية متفرقة، وضعفت القدرة على تحويلها إلى مشروع دولة واضح المعالم يحظى بتأييد اجتماعي وسياسي واسع.
الخاتمة: بين إدارة التوازن وبناء الدولة
المعضلة الأساسية في العراق اليوم لا تتعلق فقط بغياب شخصيات قيادية، بل بسؤال أعمق يتعلق بطبيعة النظام نفسه:
هل يمكن لبنية سياسية صُممت أساساً لضبط التوازنات ومنع الانهيار أن تتحول إلى نظام قادر على إنتاج دولة مستقرة ذات شرعية وطنية متجددة؟
فالأنظمة التي تنشأ في سياقات انتقالية قد تنجح مؤقتاً في منع التفكك، لكنها إذا لم تُعد صياغة قواعدها المؤسسية، فإنها تتحول مع الوقت إلى هياكل تعيد إنتاج أزماتها بنفسها.
إن مستقبل العراق لا يرتبط فقط بتغيير الحكومات أو الوجوه السياسية، بل بإعادة تعريف العلاقة بين الدولة والمجتمع والاقتصاد والسيادة.
والانتقال من منطق تقاسم السلطة إلى منطق بناء المؤسسات.
فالدولة لا تُبنى بالتوازنات وحدها، بل بشرعية وطنية موحدة، ومؤسسات مستقلة، واقتصاد منتج، واحتكار قانوني للسلاح، ورؤية جامعة تتجاوز الانقسام المؤقت نحو فكرة الوطن.
وبدون هذا التحول، سيظل التغيير في العراق مجرد إعادة توزيع للنفوذ داخل البنية نفسها، لا انتقالاً حقيقياً نحو إعادة تأسيس الدولة.
غداً:
الورقة الثالثة
“غياب الرؤية الوطنية الجامعة وتحول المطالب إلى مسارات متفرقة”

