المشروع الوطني العراقي

8

 

العراق يحتاج دولة… لا سلطة

الورقة الحادية عشرة

الهوية الاستراتيجية للدولة العراقية في مرحلة التحول

مقدمة
لا يمكن لأي مشروع وطني أن يكتمل بمجرد بناء خارطة طريق داخلية، ما لم يُحسم السؤال الأكثر حساسية في تجارب الدول الخارجة من الأزمات:
ما هو موقع الدولة في محيطها الإقليمي والدولي؟ وكيف تعرّف نفسها أمام العالم؟ وما هي مصالحها العليا التي توجه قراراتها وسياساتها؟
فالدول لا تُقاس فقط بقدرتها على إدارة شؤونها الداخلية، بل بقدرتها على تحديد هويتها الاستراتيجية، وتعريف مصالحها الوطنية، وضبط علاقاتها الخارجية وفق تلك المصالح، لا وفق ضغوط الخارج أو توازناته المتغيرة.
ومن هنا تأتي هذه الورقة لتكون حلقة الربط بين مشروع التحول الداخلي للدولة العراقية والخطاب الوطني الموجه إلى المجتمع الدولي، عبر تحديد الهوية الاستراتيجية التي تحكم موقع العراق ودوره وعلاقاته في مرحلة إعادة التأسيس.
أولاً: المصلحة الوطنية العليا
يقوم المشروع الوطني العراقي على مبدأ أن المصلحة الوطنية العليا هي المرجعية الأساسية لجميع السياسات والقرارات الداخلية والخارجية.
وتتمثل هذه المصلحة في:
حماية سيادة العراق ووحدة أراضيه.
صيانة استقلال القرار الوطني.
حماية المجتمع من الانقسام والتفكك والصراعات الداخلية.
بناء دولة المؤسسات والقانون.
تحقيق التنمية المستدامة والعدالة الاجتماعية والاقتصادية.
منع تحويل العراق إلى ساحة نفوذ أو صراع إقليمي ودولي.
تعزيز مكانة العراق كدولة مستقرة وفاعلة في محيطها.
وتعد هذه المبادئ خطوطاً حاكمة لا يجوز لأي سلطة أو حكومة تجاوزها أو التفريط بها.
ثانياً: تعريف الهوية الاستراتيجية للعراق
العراق في مرحلة التحول ليس دولة محايدة سلبياً، ولا دولة منخرطة في محاور الصراع الإقليمي والدولي، بل:
دولة سيادية قيد إعادة التأسيس، تسعى إلى تثبيت استقلال قرارها الوطني وبناء توازن علاقاتها الخارجية على أساس المصالح الوطنية العليا.
وتقوم هذه الهوية على أربع ركائز أساسية:
السيادة الكاملة للدولة على قرارها الداخلي والخارجي.
رفض التبعية لأي محور إقليمي أو دولي.
اعتماد مبدأ التوازن الاستراتيجي في العلاقات الخارجية.
جعل المصلحة الوطنية العراقية المرجع الأعلى في رسم السياسات.
ثالثاً: الأمن القومي العراقي
يُعرّف الأمن القومي العراقي بأنه:
قدرة الدولة العراقية على حماية سيادتها ووحدة أراضيها واستقلال قرارها السياسي وأمن مواطنيها ومواردها الاستراتيجية ومصالحها الوطنية من أي تهديد داخلي أو خارجي.
ولا يقتصر الأمن القومي على الجانب العسكري فقط، بل يشمل:
الأمن السياسي.
الأمن الاقتصادي.
الأمن المجتمعي.
الأمن الغذائي والمائي.
الأمن السيبراني والتقني.
الأمن البيئي.
أمن الطاقة والموارد الاستراتيجية.
وتلتزم الدولة بوضع سياساتها كافة ضمن إطار حماية هذه المنظومة الشاملة للأمن الوطني.
رابعاً: التهديدات الاستراتيجية للأمن الوطني العراقي
ينطلق المشروع الوطني من تشخيص واقعي للتحديات التي تواجه الدولة العراقية، وأبرزها:
التهديدات الداخلية
الفساد بوصفه تهديداً لبقاء الدولة وفاعلية مؤسساتها.
ضعف المؤسسات العامة.
الانقسامات المجتمعية والهويات الفرعية المتصارعة.
الجماعات المسلحة خارج إطار الدولة.
التطرف والإرهاب.
الاقتصاد الريعي وضعف التنوع الاقتصادي.
التهديدات الخارجية
التدخلات الخارجية في القرار الوطني.
استخدام العراق كساحة للصراعات الإقليمية والدولية.
التهديدات المرتبطة بالأمن المائي والغذائي.
الضغوط الاقتصادية والسياسية الخارجية.
النزاعات الإقليمية وانعكاساتها على الاستقرار الوطني.
ويُعد التعامل مع هذه التهديدات شرطاً أساسياً لبناء دولة مستقرة وقادرة على حماية مصالحها.
خامساً: موقع العراق ووظيفته الإقليمية
يقع العراق في قلب منطقة شديدة التعقيد والتداخل الجيوسياسي، وهو ما يمنحه أهمية استراتيجية كبيرة، لكنه يجعله في الوقت نفسه عرضة للتأثيرات الخارجية المستمرة.
ومن هنا فإن المشروع الوطني يحدد وظيفة العراق الإقليمية بوصفه:
دولة توازن وجسر تواصل إقليمي، لا ساحة مواجهة ولا طرفاً في محاور الصراع.
ويتحقق ذلك عبر:
تحويل الجغرافيا العراقية من ساحة تنافس إلى مساحة تعاون.
بناء شراكات متوازنة مع دول الجوار.
تعزيز التكامل الاقتصادي الإقليمي.
دعم الاستقرار الإقليمي بما يخدم المصالح الوطنية العراقية.
منع استخدام الأراضي العراقية في أي صراع أو مواجهة خارجية.
سادساً: عقيدة التوازن الاستراتيجي
يقوم المشروع الوطني على عقيدة خارجية واضحة تقوم على المبادئ الآتية:
لا عداوات دائمة مع أي دولة.
لا تحالفات مغلقة أو تبعيات سياسية.
لا انخراط في صراعات المحاور.
لا تنازل عن السيادة الوطنية.
وفي المقابل:
علاقات متوازنة مع الجميع.
تعاون قائم على المصالح المشتركة.
انفتاح اقتصادي وسياسي مدروس.
استقلال كامل في القرار الوطني.
وبموجب هذه العقيدة يتعامل العراق مع مختلف القوى الإقليمية والدولية من موقع الدولة المستقلة لا من موقع التابع أو الوكيل.
سابعاً: حدود الانخراط وحدود الاستقلال
حدود الانخراط
يلتزم العراق بالمشاركة الإيجابية في محيطه الإقليمي والدولي دون الانجرار إلى صراعات الآخرين، وذلك عبر:
رفض الحروب بالوكالة.
منع استخدام الأراضي العراقية لتصفية الحسابات.
عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى.
احترام القانون الدولي ومبادئ حسن الجوار.
حدود الاستقلال
ويؤكد المشروع الوطني أن:
القرار السيادي العراقي غير قابل للتفويض أو المشاركة.
السياسة الخارجية تُدار حصراً عبر مؤسسات الدولة الدستورية.
الأمن الوطني مسؤولية حصرية للدولة.
السلاح الشرعي محصور بمؤسسات الدولة القانونية.
ثامناً: من الدولة المتأثرة إلى الدولة المؤثرة
يهدف المشروع الوطني إلى نقل العراق من موقع الدولة المتلقية للتأثيرات الخارجية إلى موقع الدولة القادرة على التأثير الإيجابي في محيطها.
ويتحقق ذلك عبر:
استقرار سياسي ومؤسسي مستدام.
اقتصاد منتج ومتنوع.
مؤسسات دولة قوية وفاعلة.
سياسة خارجية متوازنة.
قوة وطنية تستند إلى الدولة لا إلى المكونات أو الفصائل.
وعندها يصبح العراق شريكاً في صناعة الاستقرار الإقليمي بدلاً من أن يكون ساحة لتداعياته.
تاسعاً: العلاقة بين الهوية الاستراتيجية والمشروع الوطني
لا يمكن الفصل بين نجاح السياسة الخارجية ونجاح مشروع بناء الدولة.
فالدولة القوية داخلياً هي القادرة على حماية استقلالها خارجياً.
أما ضعف المؤسسات والانقسام الداخلي فيقودان بالضرورة إلى الارتهان والتبعية والتدخل الخارجي.
ومن هنا فإن:
إصلاح مؤسسات الدولة شرط للاستقلال السياسي.
وحدة المجتمع شرط للاستقرار الاستراتيجي.
التنمية الاقتصادية شرط للسيادة الوطنية.
سيادة القانون شرط لفاعلية الدولة داخلياً وخارجياً.
خاتمة الورقة الحادية عشرة
إن الهوية الاستراتيجية للعراق ليست ترفاً فكرياً أو خياراً سياسياً مؤقتاً، بل هي ركيزة أساسية من ركائز المشروع الوطني العراقي.
فالدولة التي لا تعرف مصالحها العليا، لا تستطيع حماية سيادتها.
والدولة التي لا تمتلك تعريفاً واضحاً لأمنها القومي، لا تستطيع مواجهة التهديدات التي تحيط بها.
والدولة التي لا تحدد موقعها في العالم، تتحول سريعاً إلى ساحة تتحكم بها إرادات الآخرين.
لذلك فإن المشروع الوطني العراقي لا يكتمل فقط ببناء الدولة داخلياً، ولا فقط بإصلاح النظام السياسي، بل بتثبيت هوية استراتيجية واضحة تجعل من العراق دولة:
مستقلة في قرارها، متوازنة في علاقاتها، قوية في مؤسساتها، وفاعلة في محيطها الإقليمي والدولي.

غدا؛ المشروع الوطني والعلاقات الدولية للعراق
رؤية ما بعد تجربة ٢٠٠٣

التعليقات معطلة.